الاحتجاجات تُسيّس أولمبياد ميلانو وتفجّر مواجهة بين ميلوني ومعارضيها.. تفاصيل
لم تعد المنافسة في الألعاب الأولمبية مقتصرة على الرياضيين داخل الملاعب وحلبات الجليد، بل امتدت إلى الساحة السياسية، بعدما تحولت استضافة إيطاليا لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية في ميلانو – كورتينا دامبيتسو إلى محور صدام سياسي واجتماعي، فجّر موجة احتجاجات واسعة، وأشعل مواجهة مفتوحة بين الحكومة الإيطالية ومعارضيها.
وشهدت مدينة ميلانو الإيطالية، العاصمة الاقتصادية للبلاد، مظاهرات حاشدة تزامنت مع انطلاق أول أيام المنافسات الأولمبية، قبل أن تنزلق بعض التحركات الاحتجاجية إلى أعمال عنف وتخريب، ما دفع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الخروج بتصريحات نارية وصفت فيها المتظاهرين العنيفين بأنهم «أعداء إيطاليا».
احتجاجات تتجاوز الرياضة
الاحتجاجات التي خرجت إلى شوارع ميلانو لم تكن موجهة ضد الرياضة بحد ذاتها، بل ارتبطت بجملة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، أبرزها ارتفاع تكاليف السكن، وتأثير المشروعات المرتبطة بالأولمبياد على البيئة والبنية العمرانية، إضافة إلى رفض ما يصفه المحتجون بـ«تغليب المصالح الاقتصادية على احتياجات المواطنين».

ووفق تقديرات الشرطة الإيطالية، شارك نحو 10 آلاف متظاهر في مسيرات احتجاجية جابت شوارع المدينة مساء السبت، في مشهد غير مسبوق تزامنًا مع حدث رياضي عالمي بحجم الألعاب الأولمبية الشتوية.
غير أن الأوضاع سرعان ما خرجت عن السيطرة، بعد أن انفصلت مجموعة تضم قرابة 100 محتج عن المسار السلمي للمظاهرة، وأقدمت على إلقاء ألعاب نارية وقنابل دخان وزجاجات على قوات الشرطة، في محاولة لاقتحام بعض المناطق الحيوية بالمدينة.
تخريب للبنية التحتية
وشهدت الأحداث تصعيدًا خطيرًا بعدما استهدفت أعمال تخريب شبكة السكك الحديدية في شمال إيطاليا، حيث أعلنت السلطات الإيطالية عن إلحاق أضرار بكابلات السكك الحديدية قرب مدينة بولونيا، ما تسبب في تعطيل حركة القطارات لمسافات طويلة.
وأفادت الشرطة الإيطالية بوقوع ثلاث حوادث منفصلة في مناطق مختلفة، أدت إلى تأخيرات وصلت إلى ساعتين ونصف الساعة في خدمات القطارات عالية السرعة، وقطارات المسافات الطويلة، فضلًا عن القطارات الإقليمية.
ورغم خطورة الأضرار وتأثيرها الواسع على حركة النقل، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن تلك الأعمال التخريبية حتى الآن، في وقت كثّفت فيه الأجهزة الأمنية تحقيقاتها لتحديد المتورطين.
تدخل أمني واعتقالات
أمام تصاعد أعمال العنف، اضطرت الشرطة الإيطالية إلى استخدام مدافع المياه لتفريق المتظاهرين وفرض النظام في وسط ميلانو، في مشهد أعاد إلى الأذهان احتجاجات سابقة شهدتها البلاد خلال أزمات اقتصادية واجتماعية.

وأسفرت المواجهات عن إلقاء القبض على ستة أشخاص، وفتح تحقيقات موسعة بحقهم بتهم تتعلق بالتخريب، والاعتداء على قوات الأمن، وتعطيل المرافق العامة.
ميلوني تهاجم وتدافع
وفي أول رد رسمي، شنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني هجومًا حادًا على المحتجين الذين تورطوا في أعمال عنف، معتبرة أن ما جرى يمثل إساءة مباشرة لصورة إيطاليا أمام العالم، في توقيت بالغ الحساسية مع انطلاق حدث رياضي عالمي.
وكتبت ميلوني، في تدوينة نشرتها عبر حسابها الرسمي على منصة «إنستغرام»، أن هناك من «يكنّون العداء لإيطاليا وشعبها»، ويسعون إلى تشويه صورة البلاد عبر تنظيم مظاهرات عنيفة يتم بثها على شاشات التلفزيون العالمية.

وأضافت رئيسة الحكومة الإيطالية أن بعض المحتجين لم يكتفوا بالتظاهر، بل لجأوا إلى «تخريب كابلات السكك الحديدية بهدف شل حركة القطارات»، معتبرة أن تلك الأفعال ترقى إلى مستوى الجرائم المنظمة.
إشادة بالعاملين في الأولمبياد
وفي المقابل، حرصت ميلوني على توجيه رسالة دعم واضحة لآلاف الإيطاليين المشاركين في تنظيم وإنجاح الألعاب الأولمبية الشتوية، مشيدة بجهودهم في تقديم صورة إيجابية عن الدولة الإيطالية، رغم ما وصفته بمحاولات التشويش والتخريب.
وأكدت رئيسة الوزراء الإيطالية تضامن حكومتها الكامل مع الشرطة الإيطالية وسلطات مدينة ميلانو، مشددة على أن الدولة لن تتهاون مع أي محاولات لزعزعة الأمن أو المساس بالمرافق الحيوية.
وقالت ميلوني: «نجدد تضامننا مع الشرطة ومدينة ميلانو، ومع كل من يعمل بجد لإنجاح هذا الحدث العالمي، ولن نسمح للمجرمين وأفراد العصابات بأن ينتقصوا من قيمة هذا الجهد».

أولمبياد تحت الضغط السياسي
وتعد هذه الأحداث أول اختبار أمني وسياسي كبير للألعاب الأولمبية الشتوية التي تستضيفها ميلانو بالشراكة مع منتجع كورتينا دامبيتسو في جبال الألب، وسط اهتمام عالمي واسع بالحدث، الذي تراهن عليه الحكومة الإيطالية لتعزيز السياحة ودعم الاقتصاد.
ويرى مراقبون أن الاحتجاجات كشفت عن انقسام داخلي عميق في المجتمع الإيطالي بشأن جدوى استضافة الفعاليات الكبرى، في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما قد يضع حكومة ميلوني أمام تحديات متزايدة خلال الفترة المقبلة.
وبينما تتواصل المنافسات الرياضية وسط إجراءات أمنية مشددة، يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة الحكومة الإيطالية على احتواء الغضب الشعبي، ومنع انتقال المواجهة من الشارع إلى أزمة سياسية أوسع، في وقت تسعى فيه روما لتأكيد حضورها الدولي عبر بوابة الأولمبياد.