العلاقات المصرية – التركية في 2025.. عام الانتقال إلى الشراكة العملية والتنسيق الإقليمي
شهدت العلاقات المصرية – التركية خلال عام 2025 تطورًا لافتًا نقلها من مرحلة استعادة التواصل وبناء الثقة إلى مرحلة أكثر تقدمًا من التنسيق الفعلي والتعاون المؤسسي، في ظل إرادة سياسية واضحة لدى قيادتي البلدين لإعادة صياغة مسار العلاقات على أسس استراتيجية جديدة تتجاوز الخلافات السابقة، وتستند إلى المصالح المشتركة في ملفات الأمن والاستقرار والتنمية.
لقاءات رسمية واتصالات بين القاهرة وأنقرة
وخلال العام، تكثفت اللقاءات الرسمية والاتصالات رفيعة المستوى بين القاهرة وأنقرة بصورة غير مسبوقة، حيث اتجهت التحركات الثنائية إلى تعزيز آليات التشاور المنتظم، وترتيب أولويات التعاون الإقليمي، خصوصًا في القضايا الكبرى التي تشهدها المنطقة، وعلى رأسها الحرب في غزة، والأوضاع المتدهورة في السودان، والتطورات الأمنية في شرق المتوسط وليبيا.

وفي هذا السياق، برز الدور المحوري لوزارتي الخارجية في البلدين، باعتبارهما المحرك الأساسي لترجمة التفاهمات السياسية إلى مسارات عمل واضحة. فقد شهد عام 2025 زيارات متكررة للوزير المصري إلى أنقرة، ركزت على الإعداد لاجتماعات مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، وتنسيق الرؤى تجاه التحديات الإقليمية، بما ساهم في تحويل التقارب السياسي إلى برامج تنفيذية وجداول زمنية ملموسة.

وفي المقابل، كثف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حضوره الدبلوماسي في القاهرة منذ توليه منصبه، حيث أجرى سلسلة من الزيارات التي حملت طابعًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الأهمية، وهدفت إلى تثبيت مسار التقارب وضمان نجاح اللقاءات الرئاسية بين البلدين.
وكان فيدان قد استهل هذا المسار بمشاركته في “قمة القاهرة للسلام” في أكتوبر 2023، حيث ناقش مع المسؤولين المصريين تطورات الحرب في غزة وملفات أمن المتوسط، قبل أن تتواصل التحركات بزيارة مهمة في أغسطس 2024 لوضع اللمسات النهائية على الزيارة التاريخية للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة، مع التركيز على الملفين الليبي والسوداني.

ومع مطلع عام 2026، جاءت الزيارة التحضيرية الثالثة لفيدان لتؤكد وصول العلاقات إلى مرحلة أكثر نضجًا واستقرارًا، من خلال التمهيد لقمة فبراير المرتقبة وضمان جاهزية الملفات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى المطروحة على جدول أعمال الرئيسين.
وبالتوازي مع الزخم السياسي، شهد عام 2025 نشاطًا اقتصاديًا وتجاريًا متصاعدًا عكس رغبة البلدين في تحويل التوافق الدبلوماسي إلى شراكات ميدانية واستثمارات ملموسة. وفي هذا الإطار، استضافت مدينة العلمين انعقاد منتدى تعاون اقتصادي موسع جمع اتحاد الغرف والبورصات التركية مع الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، في واحد من أكبر التجمعات التجارية الثنائية في تاريخ البلدين.
وضم المنتدى نحو 200 مسؤول ورجل أعمال تركي إلى جانب أكثر من 100 ممثل عن مجتمع الأعمال المصري، في مؤشر واضح على تنامي اهتمام القطاع الخاص التركي بالسوق المصرية، وسعي القاهرة إلى توسيع قاعدة الشراكة الاقتصادية مع أنقرة.
وخلال المنتدى، استعرض وزير المالية المصري أحمد كوجك التحسن الملحوظ في مناخ الاستثمار بمصر، مؤكدًا انفتاح الدولة الكامل على توسيع الروابط مع قطاع الأعمال التركي، بما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون الصناعي والتجاري.
كما شدد رئيس اتحاد الغرف والبورصات التركية رفعت حصارجيكلي أوغلو ونظيره المصري أحمد الوكيل على أن القاهرة وأنقرة تمثلان شريكين محوريين لبعضهما البعض في المنطقة، مع التركيز على نقل التكنولوجيا وتعزيز التكامل الصناعي في قطاعات واعدة.
من جانبه، أكد السفير التركي بالقاهرة صالح موطلو شن أن الاقتصاد المصري بات يمتلك بنية أكثر صلابة خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن قطاعات الطاقة والمقاولات والسياحة مرشحة لتكون قاطرة التعاون المستقبلي، لافتًا إلى اقتراب عدد السياح الأتراك في مصر من حاجز نصف مليون سائح سنويًا.
ورأى السفير أن تكثيف زيارات الوفود التجارية خلال عام 2025 يمثل تمهيدًا عمليًا لمنتدى الأعمال الموسع الذي ينعقد على هامش زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان المرتقبة إلى القاهرة، حيث من المتوقع توقيع اتفاقيات اقتصادية واستثمارية غير مسبوقة تعكس عمق التحول في العلاقات بين البلدين.
وبذلك، يمكن القول إن عام 2025 شكّل محطة مفصلية في مسار العلاقات المصرية – التركية، إذ انتقلت خلالها من التقارب السياسي إلى بناء شراكة أكثر تنظيمًا وواقعية، تجمع بين التنسيق الإقليمي والانفتاح الاقتصادي، بما يعزز فرص الاستقرار والتنمية في المنطقة ويخدم المصالح الاستراتيجية للطرفين.

