رعب من “أشباح بكين”.. لماذا يعارض ترامب صفقة تشاجوس؟
أثارت صفقة التخلي عن السيادة البريطانية على أرخبيل جزر تشاجوس لصالح موريشيوس جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وبريطانيا، وسط تحذيرات متصاعدة من تداعياتها الأمنية، لا سيما على مستقبل قاعدة دييجو جارسيا العسكرية المشتركة بين واشنطن ولندن.
ومع تصاعد الحديث عن النفوذ الصيني في المحيط الهندي، تحوّلت الصفقة إلى نقطة خلاف سياسي وأمني دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى معارضتها علنًا.
مخاوف أمريكية من اختراق صيني غير مباشر
تتركز المخاوف الأمريكية حول احتمال أن يؤدي نقل السيادة على جزر تشاجوس إلى تمكين الصين من الاقتراب غير المباشر من واحدة من أهم القواعد العسكرية الغربية في العالم.
فموريشيوس، التي ستؤول إليها السيادة بموجب الصفقة، تُعد دولة تربطها علاقات متنامية مع بكين، ما يثير قلق صانعي القرار في واشنطن من إمكانية استغلال الصين لهذا الوضع لتعزيز أنشطتها الاستخباراتية قرب القاعدة.
ووفق تقارير صحفية بريطانية، تخشى الإدارة الأمريكية من أن تصبح المياه المحيطة بدييجو جارسيا ساحة مفتوحة لسفن صينية “متخفية” تعمل تحت غطاء الصيد، لكنها في الواقع تؤدي مهام استخباراتية وجمع معلومات حساسة عن التحركات العسكرية داخل القاعدة.
سفن الصيد المتخفية وأدوات التجسس البحري
تعتمد الصين، بحسب تقارير استخباراتية غربية، على أسطول بحري واسع من السفن التي تتخذ شكل قوارب صيد، لكنها مزودة بتقنيات متقدمة للرصد والتجسس.
وقد سبق رصد هذه السفن في مناطق متعددة، بينها بحر الصين الجنوبي والمناطق الاقتصادية الخالصة لدول مثل إندونيسيا وفيتنام وماليزيا.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن انتقال السيطرة على المياه المحيطة بدييجو جارسيا إلى موريشيوس قد يحد من قدرة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على ردع هذا النوع من الأنشطة، ويجعل من الصعب قانونيًا وأمنيًا التعامل مع أي اختراق محتمل.
تحذيرات في الكونغرس الأمريكي
في هذا السياق، حذر السيناتور الجمهوري جون كينيدي من أن الصفقة تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي، معتبرًا أن التخلي عن تشاجوس يعادل “تسليم مفاتيح دييجو جارسيا للحزب الشيوعي الصيني”، على حد وصفه.
وأكد كينيدي أن أي ترتيبات جديدة تقلل من السيطرة المباشرة على المنطقة ستجعل عمليات الردع والاستخبارات المضادة شبه مستحيلة، سواء تعلق الأمر بالتجسس عبر البحر أو حتى عبر وسائل أخرى مثل البالونات أو الطائرات دون طيار.
الأهمية الاستراتيجية لقاعدة دييجو جارسيا
تُعد دييجو جارسيا حجر زاوية في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية في المحيط الهندي. فالقاعدة لعبت دورًا محوريًا في تنفيذ عمليات عسكرية بعيدة المدى، ووفرت منصة انطلاق لقاذفات استراتيجية قادرة على الوصول إلى مناطق حساسة في الشرق الأوسط وآسيا.
وتكتسب القاعدة أهمية إضافية بسبب موقعها الجغرافي، الذي يتيح مراقبة طرق الملاحة الدولية ويضع دولًا مثل إيران ضمن نطاق العمليات العسكرية المحتملة، فضلًا عن دعم مهام الردع السريع على مدار الساعة.
ضغوط على ترامب لإفشال الصفقة
تزامنت هذه المخاوف مع ضغوط متزايدة من حلفاء ترامب داخل الولايات المتحدة لحثه على اتخاذ موقف حاسم ضد صفقة تشاجوس. ويرى هؤلاء أن الصفقة قد تُضعف أحد أهم الأصول العسكرية الأمريكية في منطقة تشهد تنافسًا متصاعدًا بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين.
ووفق مصادر سياسية، يسعى معارضو الصفقة إلى إقناع ترامب بأن المسألة لا تتعلق فقط بسيادة بريطانية أو التزامات دولية، بل بأمن قومي أمريكي مباشر قد يتأثر على المدى الطويل.
توتر في العلاقات الأمريكية البريطانية
لم تقتصر تداعيات الملف على الداخل الأمريكي، بل امتدت إلى العلاقات مع لندن. فقد وجّه كينيدي انتقادات مباشرة إلى القيادة البريطانية، داعيًا إياها إلى الوقوف بحزم ضد الضغوط الدولية، لا سيما من الأمم المتحدة، للحفاظ على المصالح الأمنية المشتركة.
وفي تطور لافت، قررت الحكومة البريطانية تأجيل مناقشة مشروع قانون جزر تشاجوس في مجلس اللوردات، بعد أن وصف ترامب الصفقة بأنها “غبية للغاية”، في إشارة إلى خطورتها المحتملة على الأمن الغربي.
مخاوف قانونية وتفتيش دولي محتمل
إلى جانب مخاطر التجسس، حذر خبراء من تبعات قانونية قد تترتب على الصفقة، خاصة في ظل توقيع موريشيوس على معاهدة المنطقة الإفريقية الخالية من الأسلحة النووية. وبموجب هذه المعاهدة، يمكن لدول إفريقية المطالبة بإجراء عمليات تفتيش إذا اشتبهت في وجود انتهاكات.
ويخشى معارضو الصفقة من أن تستغل دول حليفة للصين هذه الآليات القانونية للضغط على القاعدة، أو على الأقل تقييد حريتها التشغيلية، عبر تقديم شكاوى إلى اللجنة الإفريقية للطاقة النووية، ما قد يفتح الباب أمام تدخلات دولية غير مرغوبة.
صفقة تحت المجهر الدولي
في ظل هذه المعطيات، تبدو صفقة تشاجوس أبعد من مجرد تسوية تاريخية لنزاع سيادي، إذ تحولت إلى اختبار حقيقي للتوازنات الجيوسياسية في المحيط الهندي.
وبينما تؤكد لندن التزامها بالحلول الدبلوماسية، تصر واشنطن، بقيادة ترامب، على أن الأمن القومي لا يحتمل المجازفة، خاصة في مواجهة ما تصفه بـ”أشباح بكين” التي تلوح في الأفق.