حسن المصطفى يكتب: «حماية الخليج من تداعيات التصعيد بين طهران وواشنطن!»
السياسة الخارجية السعودية، من يراقبها بشكل دقيق، يجد أنها تفضّلُ الحوار الجاد والدبلوماسية خياراً أول، لحل الأزمات، عوض التصعيد أو المواجهات العسكرية، وهذي القاعدة أساسٌ في دعواتها المتكررة إلى خفض التصعيد في منطقة الخليج العربي، وتجنيب المنطقة التداعيات السلبية لجولة عسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أكد، في اتصال هاتفي تلقاه من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، «موقف المملكة في احترام سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وأن «المملكة لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي أعمال عسكرية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو أي هجمات من أي جهة كانت، بغض النظر عن وجهتها»، مجدداً «دعم المملكة لأي جهود من شأنها حل الخلافات بالحوار، بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة».
الرئيس بزشكيان من جهته، عبّر عن «شكره للمملكة على موقفها الثابت في احترام سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسلامة أراضيها»، مثمناً «الدور الذي يقوم به ولي العهد من جهود ومساعٍ لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة».
منذ «اتفاق بكين» عام 2023 عملت السعودية على جعل الحوار المباشر والصريح منهجها لحل المشكلات مع إيران. وهي مشكلات متراكمة نتيجة سياسات انتهجتها طهران في أعوام سابقة عبر تدخلها في الشؤون الداخلية للمملكة، ودعم خلايا إرهابية، ورعاية الميليشيات في دول شرق أوسطية عدة، وخطابها الثوري المحرّض على الإطاحة بالأنظمة الحاكمة في الخليج العربي، مما يعني أن هنالك تركة ثقيلة، ومع هذا فضّلت السعودية أن تدفع باتجاه إنجاح «اتفاق بكين» بما يحقق مصالح البلدَين والأمن المشترك، من دون أن يعني ذلك أن المملكة تجاوزت هذه الملفات المهمة، إنما تعمل على حلها ضمن القنوات السياسية والأمنية المعنية بها، بما يضمن بناء تدريجياً للثقة، والتزاماً صريحاً وواضحاً من الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمبادئ حُسن الجوار!
ما ميّز السياسة السعودية أنها لم تبقَ حبيسة الماضي -من دون أن تتغافل عنه- إنما انتهجت دبلوماسية تقوم على الاحتواء والتفاهم، محفّزة إيران على تغيير سياساتها الخارجية، وطارحة الرفاه الاقتصادي والتعاون الإقليمي بديلاً عن سياسات التصعيد وتصدير الثورة، وهي سياسات جعلت إيران في عزلة عن العالم وعن محيطها العربي، وأدت إلى مشكلات اقتصادية متراكمة، أثرت بصورة مباشرة على مستوى المعيشة للمواطنين.
السعودية في مساعيها لأن تشجع إيران نحو سياسات خارجية متزنة، تحقق مصلحة مزدوجة؛ وطنية للمملكة أولاً، وإقليمية لجميع دول المنطقة؛ لأن أي تبدّل في «العقيدة السياسية» للنظام الإيراني، وإن تمت بالتدريج، ستعني أن التيارات المتشددة والأنشطة التخريبية لـ«الحرس الثوري» ستتراجع خارجياً، وسيخف الاستثمار في الأذرع العسكرية، وستنشغل إيران بإصلاح الداخل وتحديداً الاقتصاد.
بالتأكيد هذا هو السيناريو الأمثل، وتلك مهمة ليست سهلة، ودونها عقبات كثيرة، فتاريخ الإصلاح الإيراني شائك، وشخصيات مهمة مثل الرؤساء السابقين هاشمي رفسنجاني، ومحمد خاتمي، وحسن روحاني، حين سعوا للإصلاح وتحسين العلاقات مع دول الجوار العربي ومع الولايات المتحدة، قابلهم المتشددون بمزيد من الإقصاء والاغتيال المعنوي! إلا أن هنالك الآن متغيرات بنيوية في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد عملية «طوفان الأقصى» 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حيث تراجعت قوة إيران الخارجية كثيراً، وخسرت حليفاً رئيسياً في سوريا، ودرة تاج مشروعها «حزب الله» اللبناني الذي فقد الصف الأول من قياداته السياسية والعسكرية، فيما «حماس» تواجهها أزماتٌ وجودية في قطاع غزة، فضلاً عن بقية الحلفاء في العراق الذين يخشون تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب؛ من دون إغفال التداعيات المستمرة للحرب الإسرائيلية-الإيرانية والضربات الأميركية للمفاعلات النووية التي ألحقت بها أضراراً جسيمة.
أيضاً، هنالك وضع اقتصادي هشٌّ، ومستويات عالية من التضخم، وتآكل في الطبقة المتوسطة، وعقوبات مالية مشددة؛ وهذه العوامل مجتمعة، يُضاف إليها تهديد ترمب بمزيد من العقوبات والتدخل العسكري المحتمل، تجعل طهران أمام خيار التحول في سياساتها الخارجية، إذا أرادت أن تكون هنالك حلولٌ للمشكلات المزمنة.
إن أي حرب محتملة مع إيران، ستكون المخاطر فيها «عظيمة ولا يمكن حتى مقارنتُها بغزوِ العراق وإسقاط نظامِ صدام الذي تمَّ بسرعةٍ وسهولة»، كما يرى الأستاذ عبد الرحمن الراشد في مقالته «أخطار الحرب الإيرانية خليجياً» التي نشرتها «الشرق الأوسط» في 28 يناير (كانون الثاني) 2026، مبيناً أن «طهران تواجه خطراً وجوديّاً يخيّرها بين التَّخلي عن مشروع 1979 الذي أعلنته، وهو تصدير الثورات ومواجهة العالم، أو المخاطرة بمواجهةٍ مدمرة».
الواقعية السياسية تقول إن على إيران أن تأخذ قرارات إصلاحية جريئة، وإن كانت صادمة للتيار المتشدد، إلا أنها ضرورية من أجل رفاهية الشعب وأمنه ومنع انهيار الاقتصاد، وأيضاً لكي تحفظ السلم الإقليمي في الخليج العربي، وهي مسؤولية مشتركة، على القادة في إيران النهوض بها، لتجنيب المنطقة حرباً ليست من مصلحة أحدٍ!
نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط