بين السياسة والإعمار.. كيف يوظف نتنياهو شعار نزع سلاح حماس؟
في وقت تتجه فيه الأنظار إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عاد ملف نزع سلاح حركة حماس إلى الواجهة باعتباره شرطًا إسرائيليًا مسبقًا لأي تقدم في مسار إعادة الإعمار.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدّم هذا الشرط باعتباره ضرورة أمنية، بينما ترى أطراف فلسطينية ومراقبون أنه مجرد ذريعة سياسية جديدة تهدف إلى كسب الوقت وعرقلة أي مسار حقيقي لإنهاء الحرب وتخفيف معاناة سكان القطاع.
إعادة الإعمار رهينة الشروط السياسية
خلال مؤتمر صحفي أعقب استعادة رفات آخر محتجز إسرائيلي في غزة، أعلن نتنياهو صراحة أن إسرائيل لن تسمح ببدء عملية إعادة الإعمار قبل نزع سلاح حماس بالكامل.
وأكد أن إسرائيل ستواصل الحفاظ على ما وصفه بـ"السيطرة الأمنية" على غزة والضفة الغربية، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل جزءًا من تحقيق المصالح الأمنية والسياسية لإسرائيل.
هذا الموقف وضع عملية إعادة الإعمار في دائرة الشروط المعقدة، وحوّل ملفًا إنسانيًا بحتًا إلى ورقة ضغط سياسي. فغزة، التي تعاني من دمار واسع في البنية التحتية والمنازل والمرافق الحيوية، تحتاج إلى تدخل عاجل لإعادة بناء المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، إلا أن ربط ذلك بملفات سياسية وأمنية يجعل مستقبل الإعمار أكثر غموضًا.
المرحلة الثانية من الاتفاق تحت الاختبار
عودة رفات المحتجز الإسرائيلي الأخير شكّلت فعليًا نهاية المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وفتحت الباب أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تهدف، وفق المبادرات المطروحة، إلى وضع ترتيبات حكم طويلة الأمد في القطاع وبدء مسار إعادة الإعمار. وكانت الإدارة الأمريكية قد أعلنت مؤخرًا دعمها للانتقال إلى هذه المرحلة باعتبارها خطوة ضرورية لاستقرار الأوضاع في غزة.
غير أن تصريحات نتنياهو الأخيرة أعادت خلط الأوراق، وأثارت تساؤلات حول جدية الحكومة الإسرائيلية في الالتزام بالاتفاق. فبدلًا من التعامل مع المرحلة الثانية باعتبارها فرصة لتخفيف التوتر وفتح أفق سياسي جديد، بدت وكأنها ساحة جديدة لفرض شروط إضافية قد تُفرغ الاتفاق من مضمونه.
اتهامات بالمماطلة واستغلال الملف الإنساني
تقارير إعلامية إسرائيلية، من بينها ما نشرته القناة 12 العبرية، كشفت أن السلطات الإسرائيلية كانت تمتلك معلومات استخباراتية منذ فترة حول الموقع المحتمل لرفات المحتجز الأخير، إلا أن عمليات البحث أُجّلت أكثر من مرة. هذه المعلومات أثارت شكوكًا حول ما إذا كان ملف المحتجزين قد استُخدم كورقة سياسية لإدارة التوقيت والضغط على الأطراف الأخرى.
بالنسبة لمنتقدي نتنياهو، فإن ربط إعادة الإعمار بنزع سلاح حماس يدخل في السياق نفسه، أي توظيف الملفات الإنسانية لتحقيق أهداف سياسية داخلية وخارجية. فإسرائيل، بحسب هذه القراءة، تسعى إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقها، سواء على مستوى الداخل الإسرائيلي أو على مستوى علاقتها بحلفائها.
حسابات الداخل الإسرائيلي
لا يمكن فصل تصريحات نتنياهو عن السياق السياسي الداخلي في إسرائيل. فالحكومة الحالية تواجه ضغوطًا كبيرة، سواء بسبب الخلافات داخل الائتلاف الحاكم أو بسبب التحقيقات الجنائية المتعلقة بمقربين من رئيس الوزراء.
وفي ظل هذه الأزمات، يحاول نتنياهو الظهور بمظهر القائد الصارم الذي لا يتنازل عن "الأمن القومي"، مستثمرًا ملف غزة لتعزيز موقعه السياسي.
دعواته إلى عدم إجراء انتخابات مبكرة، وتحذيراته من أن أي تغيير سياسي قد يهدد استقرار إسرائيل، تندرج ضمن هذا الإطار. وبذلك يصبح ملف نزع سلاح حماس ليس فقط أداة في الصراع مع الفلسطينيين، بل أيضًا وسيلة لإدارة الصراع السياسي داخل إسرائيل.
غزة بين الدمار والانتظار
على الجانب الآخر، يقف سكان غزة أمام واقع بالغ القسوة. فبعد أشهر طويلة من الحرب، تضررت آلاف المنازل، وتوقفت الكثير من المرافق عن العمل، وتفاقمت الأزمات الإنسانية. ورغم الحديث الدولي المتكرر عن ضرورة إعادة الإعمار، لا يزال التنفيذ العملي مؤجلًا بسبب الخلافات السياسية والشروط المتبادلة.
المنظمات الإنسانية تحذر من أن أي تأخير إضافي في بدء عملية الإعمار سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وسيجعل إعادة الحياة الطبيعية إلى القطاع أكثر صعوبة. كما تؤكد أن الإعمار يجب أن يُعامل كحق إنساني أساسي، لا كورقة تفاوض سياسية.
مستقبل غامض لمسار التسوية
إصرار نتنياهو على ربط الإعمار بنزع سلاح حماس يعكس أزمة أعمق في مسار التسوية برمته. فبدلًا من البحث عن حلول سياسية شاملة تعالج جذور الصراع، يجري التركيز على شروط أحادية قد تعرقل أي تقدم حقيقي. وفي ظل غياب توافق دولي حاسم حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة في غزة، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين الجمود السياسي والتصعيد مجددًا.
في المحصلة، يبدو أن ملف نزع سلاح حماس تحوّل من قضية أمنية إلى أداة سياسية متعددة الاستخدامات، تُوظف لتعطيل الإعمار، وإعادة رسم مسار التفاوض، وإدارة الصراعات الداخلية الإسرائيلية. أما غزة، فتبقى عالقة بين الدمار والانتظار، تدفع ثمن الحسابات السياسية من جديد.