مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

خريطة الضغط الأمريكية تتسع.. كوبا في المواجهة بعد فنزويلا والصين على الهامش

نشر
ترامب و رئيس كوبا
ترامب و رئيس كوبا ميغيل دياز-كانيل - صورة تعبيرية

مع اتساع رُقعة «الضغوط الأمريكية» في نصف الكرة الغربي، لم تعد «فنزويلا» وحدها في مرمى واشنطن، إذ تنتقل سياسة الخنق خطوة إضافية لتضع «كوبا» في قلب المواجهة، وسط رسائل واضحة بأن «الصين»، رغم حضورها المُتزايد، تقف على «هامش معادلة الإنقاذ» في صراع نفوذ يتجاوز العقوبات إلى إعادة رسم توازنات المنطقة.

كوبا تحت الضغط الأمريكي

تأتي هذه التحركات في إطار «رؤية أمريكية أوسع» تهدف إلى تقويض شبكات الدعم السياسي والاقتصادي التي اعتمدت عليها «هافانا» خلال السنوات الماضية، مع تكثيف أدوات الضغط المالي والدبلوماسي، في وقت تُراهن فيه واشنطن على أن تراجع الدور الصيني سيترك كوبا أمام «خيارات محدودة»، ويُعيد ترتيب موازين النفوذ في «الكاريبي» وفق حسابات أمريكية أكثر صرامة.

وفي أعقاب التحوّلات التي طالت «فنزويلا»، الحليف اللاتيني الأبرز، تعود «كوبا» لتختبر حدود «النفوذ الصيني» في مواجهة «الضغط الأمريكي المُتصاعد» بقيادة دونالد ترامب. وبين بيانات الشجب واستدعاء السفراء، يظلّ السؤال مفتوحًا حول «ما إذا كانت بكين - التي اكتفت بالبيانات الرسمية تنديدًا بعملية «اختطاف نيكولاس مادورو» - مُستعدة لرفع سقف المواجهة دفاعًا عن حلفائها».

منذ العملية الأمريكية في كراكاس، حوّلت «واشنطن» اهتمامها بشكل مُتزايد نحو «كوبا»، الدولة الشيوعية، إلى جانب «كولومبيا وجرينلاند». وصرّح الرئيس ترامب بأن «كوبا تبدو وكأنها على وشك السقوط»، في إشارة إلى هشاشة وضعها الاقتصادي واعتمادها الكبير على النفط الفنزويلي المدعوم.

وتُشير تقديرات أمريكية إلى أن أي تشديد إضافي للقبضة على صادرات النفط الفنزويلي سيُؤدي إلى «تفاقم الأزمة الاقتصادية في هافانا»، التي تُعاني في الأساس من نقص حاد في الوقود، وانقطاعات كهرباء واسعة، وأزمات معيشية تفاقمت منذ جائحة كورونا، إلى جانب إعادة فرض عقوبات أمريكية بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض.

ضغط بلا مواجهة

يرى «جيانج شي شيوي»، مدير مركز دراسات أمريكا اللاتينية في جامعة شنجهاي، أن أي تحرك أمريكي ضد كوبا «لن يكون بالضرورة عسكريًا»، لكنه قد يتخذ أشكالًا أخرى، أبرزها «فرض عقوبات أشد وخنق مصادر الطاقة».

وأوضح «شيوي»، أن وقف الإمدادات النفطية الفنزويلية كفيل بدفع الاقتصاد الكوبي نحو مزيد من التدهور، مُشددًا على أن «الصين ستتجنب الانخراط في أي صدام مباشر بين واشنطن وهافانا»، التزامًا بمبدأ راسخ في سياستها الخارجية يقوم على عدم تقديم دعم عسكري لطرف في مواجهة طرف آخر.

وتُبدي إدارة ترامب ثقة في أن «كوبا لن تصمد طويلًا من دون النفط الفنزويلي». وقال «ترامب بعد اعتقال مادورو: إن بلاده «لن تحتاج إلى اتخاذ أي إجراء» ضد كوبا، مُعتبرًا أن هافانا «لم يعد لديها دخل» بعد فقدان الدعم النفطي من كراكاس.

فنزويلا بوابة الضغط

في السياق ذاته، لوّح وزير الخارجية الأمريكي «ماركو روبيو»، المعروف بمواقفه المُتشددة تجاه «النظام الكوبي»، بإمكانية تغيير النظام في هافانا، في تصريحات فسرها مراقبون على أنها جزء من استراتيجية أوسع لزعزعة استقرار كوبا عبر تشديد الضغط على فنزويلا.

ورغم إدانة «بكين» العلنية لعملية «اعتقال مادورو» واعتبارها «انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي»، يرى خبراء أن دعمها العملي لكوبا سيظل محدودًا.

Xi holds talks with Cuban president-Xinhua
الرئيس الصيني شي  و نظيره الكوبي ميغيل دياز-كانيل

مساعدات مقابل إصلاحات

يُؤكّد «فولتون أرمسترونج»، المسؤول السابق في الاستخبارات الأمريكية لشؤون أمريكا اللاتينية، أن الصين «لم تكن يومًا مُستعدة للعب دور الراعي الرئيسي لكوبا».

وأشار «أرمسترونج» إلى أن بكين قدمت مساعدات مالية محدودة، وشطبت بعض الديون الكوبية، لكنها لطالما ربطت أي دعم بتوقعات إصلاحية واضحة، مُضيفًا: «التضامن السياسي مُهم، لكنه لا يطعم الناس. كوبا بحاجة إلى دعم ملموس، والصين تريد مقابلًا ملموسًا، وهو ما لا تملكه هافانا».

وتُعد «الصين» من أبرز الشركاء التجاريين لكوبا منذ أوائل الألفية، مع استثمارات تمتد من قطاع الطاقة المتجددة إلى الزراعة والصناعات الغذائية. كما شهدت السياحة الصينية إلى الجزيرة ارتفاعًا ملحوظًا بعد استئناف الرحلات الجوية المباشرة، إذ زاد عدد الزوار بنحو (50%) خلال عام 2024. لكن هذا التعاون، وفق خبراء، لا يرقى إلى مستوى مظلة إنقاذ اقتصادي شامل، في ظلّ حرص بكين على عدم تحويل كوبا إلى نقطة مواجهة مباشرة مع واشنطن، خصوصًا في سياق دولي حساس يشمل ملفات كبرى مثل «تايوان».

معادلة إقليمية جديدة

هكذا تتسع «دوائر الضغط الأمريكي» خارج حدود «فنزويلا»، لتضع «كوبا» أمام اختبار سياسي واقتصادي بالغ الحساسية، في وقت تبدو فيه «الصين» أقرب إلى إدارة الأزمة من بعيد بدل خوضها من الصفوف الأولى. وبين حسابات الردع الأمريكي وتردّد الحلفاء، تتشكل معادلة إقليمية جديدة عنوانها تضييق الخيارات أمام الخصوم، وفرض الوقائع قبل أن تُحسم مواقف العواصم الكبرى.