مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ليبيا: تلويح أممي بآلية بديلة وتحريك مسارات الحوار المُهيكل

نشر
الأمصار

عاد الملف الليبي إلى صدارة الاهتمام الدولي، في ظل استمرار حالة الانسداد السياسي وتعثر المسار الانتخابي، مع تلويح متجدد من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بإمكانية الانتقال إلى «آلية بديلة»، إذا واصلت الأجسام السياسية الليبية عجزها عن التوصل إلى توافق يقود البلاد إلى الانتخابات، وينهي المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات.


وفي هذا السياق، أكدت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، عزمها طرح مقترح بآلية بديلة خلال إحاطتها المقبلة أمام مجلس الأمن الدولي، في حال استمرار الجمود السياسي القائم. وجاء ذلك خلال لقاء جمعها في العاصمة الليبية طرابلس مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، حيث شدد الجانبان على ضرورة تجديد المشاركة الجادة والعاجلة من جميع الأطراف الليبية، بما يضمن دفع العملية السياسية قدمًا، والحفاظ على وحدة المؤسسات، ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من الانقسام والتعقيد.


وأوضح السفير الأوروبي أن اللقاء تناول تقييم التقدم المحرز في خارطة الطريق السياسية، مشيرًا إلى أنه نقل للمبعوثة الأممية نتائج مشاورات موسعة أجراها الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الماضية مع أطراف سياسية ليبية ومكونات مجتمعية في مناطق مختلفة من البلاد.

 وتركزت هذه الرسائل، وفق التصريحات، على القلق المتزايد من غياب أي اختراق حقيقي في ملف الانتخابات، مقابل تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية التي باتت تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين الليبيين، من خلال تراجع القدرة الشرائية، واضطراب الخدمات الأساسية، واستمرار حالة عدم الاستقرار المعيشي.


وكانت المبعوثة الأممية إلى ليبيا قد أعادت التذكير، في إحاطتها أمام مجلس الأمن بتاريخ 19 ديسمبر/ كانون الأول 2025، بإمكانية طرح «آلية بديلة» إذا فشل مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة الليبي في التوصل إلى توافق بشأن استحقاقات خارطة الطريق السياسية.

 واعتُبرت هذه الإشارة بمثابة رسالة ضغط واضحة على الأجسام السياسية، في ظل تعثر مستمر للمسار السياسي وعجز متكرر عن حسم الملفات الخلافية، لا سيما تلك المرتبطة بالإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات.


وتتزامن هذه التلويحات الأممية مع تصاعد الخلافات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، كان آخرها الجدل حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الليبية، وهو خلاف أعاد إلى الواجهة هشاشة التفاهمات السابقة، وعمّق الشكوك بشأن قدرة المؤسسات القائمة على إدارة الاستحقاق الانتخابي دون تدخلات أو صراعات سياسية.


وعلى صعيد موازٍ، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا انطلاق اجتماعات محوري الأمن والاقتصاد ضمن مسار «الحوار المُهيكل»، وذلك من خلال لقاءات حضورية متزامنة في العاصمة طرابلس، بإشراف وتيسير من البعثة الأممية. وأوضحت البعثة، في بيان رسمي، أن هذه الاجتماعات ستستمر على مدى أربعة أيام، وتهدف إلى إعداد قائمة بالقضايا الرئيسية التي ستُطرح على طاولة الحوار المُهيكل، تمهيدًا لمناقشتها بشكل موسع، إلى جانب اقتراح حلول عملية وآليات تنفيذية لمعالجة الإشكاليات القائمة.


وفي السياق ذاته، كانت البعثة قد أعلنت، في وقت سابق، أن محور الحوكمة التابع للحوار المُهيكل حدّد خلال اجتماعه الرسمي الأول خمس قضايا رئيسة يسعى لمعالجتها، تشمل التوصل إلى اتفاق سياسي يسبق الانتخابات، وتحديد طبيعة وولاية الحكومة التي ستشرف على العملية الانتخابية، وضمان نزاهة الانتخابات والدعم الدولي اللازم لها، فضلًا عن مناقشة النظام السياسي للدولة الليبية، وشكل الحكومة المركزية والمحلية.


وأكدت البعثة أن محور الحوكمة سيعمل خلال الأشهر المقبلة على تحليل هذه القضايا وصياغة مقترحات عملية قابلة للتنفيذ، في إطار عملية ليبية بقيادة ليبية وبدعم أممي، مع التنسيق مع بقية محاور الحوار المُهيكل، وهي الأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، بهدف وضع آليات واضحة لدعم تنفيذ التوصيات.


ويرى مراقبون أن إعادة تنشيط مسارات الحوار المُهيكل تأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى المسار الأممي، والتشكيك في قدرته على معالجة جوهر الأزمة الليبية. ويعتبر هؤلاء أن الإشكالية لا تكمن في تعدد المسارات، بل في غياب معالجة حاسمة لمسألتي الانقسام الحكومي وغياب قاعدة دستورية واضحة تقود إلى انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية.


كما يحذر مراقبون من أن الطابع الاستشاري وغير الملزم لمخرجات الحوار المُهيكل قد يحد من تأثيره السياسي، ويثير مخاوف من تحوله إلى مسار طويل الأمد دون نتائج ملموسة، خاصة في ظل تجارب سابقة لمسارات حوار لم تنجح في كسر حالة الجمود. ويخلص متابعون إلى أن أي اختراق حقيقي في المشهد الليبي سيظل مرهونًا بتوفر إرادة سياسية داخلية حقيقية، تضع مصلحة الدولة الليبية فوق حسابات البقاء في السلطة، وتستجيب للضغوط المتزايدة التي يفرضها الواقع الاقتصادي والمعيشي المتدهور.