مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

خارطة طريق إعمار غزة.. انطلاق أولى اجتماعات اللجنة الوطنية الفلسطينية من القاهرة

نشر
الأمصار

في خطوة وُصفت بالتاريخية على طريق إعادة ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني، انطلقت من العاصمة المصرية القاهرة أولى اجتماعات اللجنة الوطنية الفلسطينية المكلّفة بإدارة شؤون قطاع غزة، وسط دعم سياسي وإقليمي ودولي واسع. ويأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية، مع بدء المرحلة الثانية من الخطة الدولية لإنهاء الحرب، وما تحمله من رهانات على إعادة الإعمار وبسط الاستقرار وتهيئة الأرضية لمستقبل سياسي مختلف في القطاع.

 

خلفية تشكيل اللجنة وأهدافها
 

 

تشكّلت اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة من 15 شخصية مستقلة من الكفاءات التكنوقراطية، تم اختيارهم وفق معايير مهنية دقيقة، بهدف ضمان إدارة محايدة وفعّالة للمرحلة الانتقالية بعيدًا عن التجاذبات الحزبية. وتتمثل المهمة الأساسية للجنة في إدارة شؤون القطاع لمدة عامين، على أن تكون هذه الفترة مخصصة لإعادة بناء المؤسسات، وتنسيق جهود الإغاثة، وقيادة عملية إعادة الإعمار، إضافة إلى العمل على تعزيز الترابط الإداري والسياسي بين غزة والضفة الغربية تمهيدًا لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.

وتستند اللجنة في شرعيتها إلى التفويض المباشر من القيادة الفلسطينية، فضلًا عن الغطاء الدولي الذي وفرته قرارات أممية وخطط سلام مطروحة، ما يمنحها مساحة حركة أوسع في التعامل مع الجهات المانحة والمؤسسات الدولية والإقليمية.

 

القاهرة منصة الانطلاق ودور مصر المحوري
 

اختيار القاهرة لاستضافة أولى اجتماعات اللجنة لم يكن أمرًا عابرًا، بل يعكس الدور المركزي الذي تلعبه مصر في الملف الفلسطيني. فقد ثمّن رئيس اللجنة الدكتور علي شعث الجهود المصرية، مؤكدًا أن القاهرة كانت ولا تزال الداعم الرئيسي لتوحيد الصف الفلسطيني وتذليل العقبات أمام أي مسار سياسي أو إنساني يخدم الشعب الفلسطيني.

وتبرز أهمية الدور المصري في عدة مستويات، من بينها توفير مظلة سياسية إقليمية للجنة، والمساهمة في التنسيق مع الأطراف الدولية، إضافة إلى الدعم اللوجستي المتوقع في ملفات إدخال مواد الإغاثة ومواد البناء وتسهيل حركة الفرق الفنية والإنسانية.

 

أولوية الملف الإنساني في المرحلة الأولى
 

أكدت اللجنة منذ اجتماعها الأول أن الملف الإنساني سيكون على رأس الأولويات خلال المرحلة المقبلة. فسنوات الحرب والحصار خلّفت أوضاعًا معيشية كارثية، ودفعت مئات الآلاف من السكان، خصوصًا النساء والأطفال والمرضى، إلى دائرة الخطر الدائم.

ووفق التصريحات الرسمية، فإن اللجنة تعتزم توجيه جهودها العاجلة نحو توفير المساعدات الغذائية والطبية، ودعم القطاع الصحي المنهك، والعمل على برامج الدعم النفسي للأطفال المتضررين من آثار الحرب والنزوح. ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره اختبارًا حقيقيًا لقدرة اللجنة على كسب ثقة الشارع الفلسطيني في الداخل.

 

صندوق دولي ودعم المانحين
 

أحد أبرز التطورات التي كشفت عنها اللجنة هو إنشاء صندوق خاص بإعادة إعمار غزة تحت إشراف البنك الدولي، مع تعهدات أولية من دول مانحة بتوفير دعم مالي يساعد في إطلاق المشاريع العاجلة. ويُعد هذا الصندوق أداة محورية لضمان الشفافية في إدارة الأموال وتوجيهها نحو أولويات حقيقية تخدم المواطن.

وتشير التقديرات إلى أن عملية إعادة الإعمار تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات، خاصة في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، حيث تضررت نسبة كبيرة من الوحدات السكنية والمرافق الحيوية مثل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء.

 

ملامح خطة الإعمار العاجلة
 

وضعت اللجنة تصورًا أوليًا لخطتها التنفيذية، يستند بشكل أساسي إلى ما يُعرف بالخطة المصرية التي حظيت بدعم عربي وإسلامي وترحيب أوروبي. وتتضمن هذه الخطة خطوات عملية تبدأ بتوفير حلول سكنية عاجلة للنازحين، من بينها توريد نحو 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع كحل سريع يخفف من معاناة الأسر التي تعيش في الخيام.

ولا تقتصر الرؤية على توفير المأوى فقط، بل تمتد إلى إنشاء مجمعات سكنية متكاملة تضم خدمات التعليم والرعاية الصحية والأمن المجتمعي، بما يضمن إعادة بناء نمط حياة كريم ومستقر للسكان. كما تتضمن الخطة إعادة تأهيل الطرق، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء، ودعم قطاعي التعليم والصحة بوصفهما حجر الأساس لأي نهضة مستقبلية.

اللجنة بين التكنوقراط والسياسة
أحد الجوانب التي تحرص اللجنة على إبرازها هو طبيعتها المهنية البحتة، حيث تؤكد أن أعضاءها لا يمثلون أحزابًا أو فصائل، بل ينطلقون من خلفيات علمية وخبرات طويلة في مجالات الهندسة والإدارة والعمل الإنساني. ويجسّد رئيسها الدكتور علي شعث هذا التوجه، بما يمتلكه من سجل أكاديمي ومهني طويل في مجال الهندسة المدنية والإشراف على مشاريع بنية تحتية سابقة في الأراضي الفلسطينية.

وترى اللجنة أن هذا الطابع التكنوقراطي هو الضمانة الأساسية لنجاح المرحلة الانتقالية، لأنه يبعدها عن الصراعات السياسية اليومية، ويمنحها تركيزًا أكبر على هموم المواطن واحتياجاته المباشرة.

 

آفاق المرحلة المقبلة
 

انطلاق اجتماعات اللجنة من القاهرة يمثل بداية مسار طويل ومعقّد، تتداخل فيه التحديات السياسية مع الأزمات الإنسانية والاقتصادية. ورغم حجم الصعوبات، فإن حالة الدعم الإقليمي والدولي، إلى جانب التوافق الفلسطيني النسبي حول دور اللجنة، تمنح هذه التجربة فرصة حقيقية للنجاح.

ويبقى الرهان الأكبر مرتبطًا بقدرة اللجنة على ترجمة الوعود إلى إنجازات ملموسة على الأرض، واستعادة ثقة المواطن الفلسطيني في إمكانية بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة بعد سنوات طويلة من الألم والمعاناة.