الصين تتحدى حاملة الطائرات الأمريكية: كيف تستثمر بكين بأزمات العالم لتعزيز نفوذها؟
في وقت تتزايد فيه الاضطرابات السياسية في مناطق متعددة من العالم، من فنزويلا إلى إيران، تستغل الصين الفرص المتاحة لتعزيز مكانتها كلاعب رئيسي في السياسة الدولية، مقدمة نفسها كبديل مستقر وموثوق للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وهذه الاستراتيجية تمثل تحديًا مباشرًا للسياسة الأمريكية، حيث تعتمد واشنطن على الضغط العسكري والاقتصادي في محاولة للسيطرة على التحولات العالمية، بينما تفضل بكين اتباع نهج طويل الأمد يعتمد على الدبلوماسية الاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية.
الفوضى الأمريكية في فنزويلا وإيران.. فرصة للصين

الاضطرابات الأخيرة في فنزويلا، والتي شهدت اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو بعد عملية أمريكية مفاجئة، وأزمة الاحتجاجات في إيران، أظهرت محدودية قدرة واشنطن على فرض سيطرتها المباشرة، ما فتح المجال أمام الصين لتعزيز حضورها الدولي.
إذ استثمرت بكين علاقاتها التاريخية مع مادورو عبر الدعم الدبلوماسي والتمويل والقروض وصفقات النفط، لتأكيد موقعها كلاعب مؤثر على المسرح الدولي.
وفي إيران، رأت بكين فرصة لتأكيد موقفها الرافض لاستخدام القوة، حيث أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي لنظيره الإيراني عباس عراقجي على رفض الصين لأي تهديد أو تدخل عسكري، والتزامها بالحلول الدبلوماسية عبر الحوار.
ويبدو أن هذا النهج الصيني يسعى لإبراز نفسها كقوة مستقرة تستطيع إدارة الأزمات العالمية دون اللجوء إلى المواجهة العسكرية المباشرة.
النفط والطاقة.. رصيد استراتيجي للصين
وتلعب فنزويلا وإيران دورًا محوريًا في استراتيجية الصين لتأمين موارد الطاقة، إذ تعد الصين أكبر مستورد للنفط الفنزويلي والإيراني، حيث تشتري نحو 80% من النفط الإيراني.
ومع تحذيرات ترامب بشأن فرض تعريفة جمركية على أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران، يبدو أن بكين تراهن على تنويع مصادرها لضمان استمرار إمدادات الطاقة الحيوية، متبعة ما وصفه المحللون الأمريكيون بأنه "استراتيجية طويلة المدى" تعتمد على الصبر والمرونة في التعامل مع واشنطن.
وتقدر الاستثمارات الصينية في فنزويلا، بما في ذلك القروض وقطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار، ما يعكس الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للمنطقة بالنسبة لبكين.
وفي الشرق الأوسط، استغلت الصين العقوبات الأمريكية على إيران لتعزيز نفوذها التجاري وشراء النفط بأسعار مخفضة، مؤكدة قدرتها على التنويع في مصادر الإمداد لتقليل الاعتماد على سوق محددة.
الدبلوماسية الصينية في الشرق الأوسط
ولم تقتصر الاستراتيجية الصينية على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدت لتشمل النفوذ السياسي والدبلوماسي. ففي 2023، توسطت بكين في تهدئة العلاقات بين إيران والسعودية، خطوة مفاجئة للولايات المتحدة التي كانت تهيمن على المفاوضات الإقليمية منذ نهاية الحرب الباردة.
وفي 2024، ساهمت الصين في عقد اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها حماس وفتح، وهو ما اعتبرت وسائل الإعلام الصينية الرسمية دليلاً على نمو نفوذ بكين كوسيط مؤثر في المنطقة.
وفي إطار هذا النهج، أرسلت الصين سفنًا حربية إيرانية للمشاركة في مناورات "إرادة السلام 2026" العسكرية قبالة سواحل جنوب أفريقيا، ضمن أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة بريكس، مؤكدًة رغبتها في توسيع عضوية التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.
ورغم عدم مشاركة الهند، كانت الرسالة واضحة: بكين مصممة على تعزيز حضورها الدبلوماسي والعسكري في الساحة الدولية، دون الانجرار وراء أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
تجربة الصين مع واشنطن.. استراتيجيات طويلة المدى
وتعتمد بكين على مبدأ "التركيز على المدى البعيد" في سياستها الخارجية، كما وصفها وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر. ويعني هذا أن الصين تتحرك بحذر، مستغلة الفرص التي تتيحها السياسات الأمريكية المتقلبة لتوسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي.
ويقول بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي: "بقدر ما تُنظر الدول إلى الولايات المتحدة على أنها مشكلة أكثر من كونها حلاً، تسعى الصين إلى تقديم بديل مستقر وموثوق".
وهذا النهج العملي لا يعني الانخراط المباشر في الأزمات الوجودية، إذ غالبًا ما تتجنب الصين المشاركة العسكرية المباشرة أو الالتزام الكامل بالدعم عندما تتفاقم النزاعات.
ووفقًا لأندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية، فإن بكين تقدم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، لكنها تتراجع عندما تصل الأمور إلى مواجهة عسكرية حقيقية، مؤكدة قدرتها على استيعاب الصدمات ومواصلة لعب دور الوسيط الصامت.
وتمتد استراتيجية الصين إلى أمريكا الجنوبية، حيث تعزز حضورها في فنزويلا عبر الاستثمارات الضخمة والاعتماد على النفوذ الاقتصادي، كما تقدم الدعم للدول التي قد تكون أهداف واشنطن التالية مثل إيران وكوبا، من خلال قنوات خلفية تضمن استمرار التعاون دون مواجهة مباشرة.
أما في الخليج، فتعمل الصين على تقديم تطمينات غير رسمية للدول الإقليمية، مركزة على الدور الاقتصادي والدبلوماسي لضمان استقرار التحالفات الإقليمية.
بينما تتراجع فعالية القوة الأمريكية المباشرة في مواجهة التحديات الدولية، تراهن الصين على صبرها واستراتيجيتها طويلة المدى، معتمدة على القوة الاقتصادية والدبلوماسية لتوسيع نفوذها العالمي.
وهذه السياسة العملية تجعل بكين لاعبًا لا يمكن تجاهله، حيث تقدم نموذجًا بديلًا لإدارة الأزمات الدولية، قائم على الاستقرار والتحالفات الاقتصادية والسياسية، دون الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية التي لا تخلو من مخاطر.
وبهذا الشكل، تؤكد الصين على قدرتها على مواجهة تأثيرات السياسة الأمريكية، مع تقديم نفسها كخيار جذاب للدول التي تبحث عن استقرار واستمرارية في عالم متعدد الأقطاب، حيث لم تعد حاملة الطائرات الأمريكية هي المرجع الوحيد للسلطة والنفوذ العالمي.