مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

قنوات التواصل بين إيران وأمريكا.. هل تهدئ التوتر أم تكسب طهران وقتًا؟

نشر
الأمصار

في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية–الإيرانية توترًا مستمرًا على خلفية برنامج طهران النووي واحتجاجات داخلية، كشفت طهران عن أن قناة التواصل مع واشنطن لا تزال مفتوحة، على الرغم من القطيعة الدبلوماسية واللغة المتشددة المتبادلة بين الجانبين. 

الإعلان الإيراني، الذي جاء على لسان وزارة الخارجية، يُعد مؤشرًا سياسيًا مهمًا، يعكس قلق القيادة الإيرانية من انزلاق المشهد نحو مواجهة عسكرية أوسع، خصوصًا بعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام القوة لدعم الاحتجاجات داخل إيران.

ورغم أن هذا الانفتاح قد يُقرأ كخطوة لخفض التصعيد، إلا أن محللين يرونه أيضًا محاولة من طهران لكسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقها قبل أي قرارات أمريكية قد تؤثر على استقرار النظام أو مكانته الإقليمية. 

وتكمن معضلة طهران في إدارة الضغط الخارجي من دون تقديم تنازلات استراتيجية، والحفاظ على قنوات خلفية قد تشكل طوق نجاة مؤقتًا، أو بوابة تفاوض مشروط، في لحظة دولية وإقليمية لا تحتمل المغامرة.

قناة التواصل الرسمية والمصالح السويسرية

وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية الاثنين الماضي أن قناة التواصل مع المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، مفتوحة، مؤكدة أن هذا التواصل يتم عند الحاجة لتبادل الرسائل، على الرغم من عدم وجود تمثيل دبلوماسي أمريكي مباشر في إيران.

وتُعهد السفارة السويسرية برعاية المصالح الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية، وهو نموذج متعارف عليه في حالات القطيعة الدبلوماسية بين دولتين.

ويشير هذا الإجراء إلى أن إيران تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الاتصال مع واشنطن، بما يتيح لها فرصة متابعة التطورات الأمريكية وتحركات ترامب دون الانخراط مباشرة في مفاوضات مفتوحة أو تقديم تنازلات واضحة.

قراءة سياسية.. تخفيف التوتر أم شراء وقت؟

تحليلات عدة ربطت فتح هذه القناة بعدة احتمالات:

خفض التصعيد: إذ قد يكون الهدف الرئيس منع أي مواجهة عسكرية محتملة، خصوصًا في ضوء التهديدات الأمريكية بدعم الاحتجاجات الداخلية.

كسب الوقت: حيث تسعى إيران لإعادة ترتيب أوراقها داخليًا وإقليميًا قبل أي تحرك أمريكي قد يقوض موقفها.

إشارات تفاوضية مشروطة: قد تستخدم طهران هذه القناة لإرسال رسائل سياسية خفية تُفيد بأنها منفتحة على الحوار دون التنازل عن أهدافها الاستراتيجية.

ونقلت وسائل إعلام أمريكية، مثل موقع «أكسيوس»، عن مصادر مطلعة قولها إن التواصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوث البيت الأبيض استمر خلال عطلة نهاية الأسبوع، في ظل تهديدات ترامب بتحرك عسكري محتمل لدعم الاحتجاجات في إيران.

خلفية الأزمة.. من القطيعة إلى التهديدات

العلاقات الأمريكية–الإيرانية شهدت توترات تاريخية متعددة، منذ الثورة الإيرانية عام 1979 مرورًا بأزمة الرهائن، وصولًا إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 تحت إدارة ترامب. 

وهذا التاريخ الطويل من التوتر والضغط، دفع إيران إلى الاعتماد على قنوات اتصال خلفية للحفاظ على توازن سياسي واستراتيجي، حتى في أوقات تصاعد التهديدات العسكرية.

كما أن السياسة الأمريكية تجاه إيران شهدت تفاوتًا بين ضغوط اقتصادية وعقوبات صارمة، وبين توجيه إشارات تفاوضية متقطعة، ما خلق حالة من الغموض في المشهد الإيراني، وأجبر القيادة على الحفاظ على قنوات سرية للتواصل مع واشنطن لتجنب أي مفاجآت أو تحركات غير متوقعة قد تؤثر على الداخل الإيراني أو على موقعها في المنطقة.

أبعاد إقليمية وتأثير على الشرق الأوسط

تأثير أي تحرك أمريكي أو إيراني لا يقتصر على العلاقات الثنائية فقط، بل يمتد إلى ملفات إقليمية حساسة مثل اليمن، سوريا، ولبنان، حيث تلعب إيران دورًا محوريًا في دعم جماعات مسلحة وتحالفات سياسية. لذلك، فإن أي تصعيد عسكري أمريكي قد يُنذر بموجة من الاضطرابات في المنطقة، ويزيد من تعقيد النزاعات الحالية.

من الجانب الأمريكي، تحرص واشنطن على عدم السماح لطهران بتعزيز نفوذها الإقليمي أو تطوير برنامجها النووي، وهو ما يفسر التصريحات المتكررة لترامب وفريقه حول إمكانية التحرك العسكري، إلى جانب استعدادهم لدعم الاحتجاجات الداخلية، في محاولة للضغط على النظام الإيراني من الداخل والخارج.

السيناريوهات المحتملة لإيران

ويتناول المحللون عدة سيناريوهات لإيران في المرحلة المقبلة:

الانخراط في مفاوضات نووية محدودة: عبر القنوات الخلفية، لتأمين مصالحها النووية دون تقديم تنازلات استراتيجية كبرى.

كسب الوقت داخليًا: لاستيعاب الاحتجاجات الداخلية وإعادة ترتيب أولويات النظام دون مواجهات مباشرة مع واشنطن.

التحرك العسكري أو الاستعداد له: إذا رأت إيران أن التهديد الأمريكي يتجاوز الحدود السياسية، خصوصًا مع تصاعد الدعم الأمريكي للمعارضين.

مزيج من الدبلوماسية والتحركات الأمنية: وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، إذ تميل إيران إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الاستجابة للضغوط الخارجية وحماية مصالحها الداخلية.

دور البيت الأبيض والمواقف الأمريكية

أشارت تصريحات ترامب ونائب الرئيس جيه دي فانس إلى أن الإدارة الأمريكية منفتحة على التفاوض، لكنها في الوقت نفسه مستعدة لاتخاذ إجراءات صارمة لدعم الاحتجاجات أو الضغط على النظام الإيراني. 

وقد أوضح ترامب أن لقاء محتمل يجري ترتيبه مع الجانب الإيراني، لكنه حذر من إمكانية التحرك العسكري إذا تطلب الوضع ذلك.

ويضيف نائب الرئيس الأمريكي: «أذكى ما يمكن لإيران فعله هو الدخول في مفاوضات حقيقية مع الولايات المتحدة حول برنامجها النووي»، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تضع على رأس أولوياتها ضمان عدم تطوير إيران للأسلحة النووية.

خلف الكواليس.. تاريخ التواصل بين الطرفين

أفادت مصادر أمريكية بأن ويتكوف وعراقجي بدآ تبادل الرسائل النصية منذ المفاوضات النووية العام الماضي، واستمر التواصل حتى بعد قيام الولايات المتحدة بقصف منشآت نووية إيرانية في يونيو/حزيران، وظل مستمرًا حتى أكتوبر/تشرين الأول الماضي. 

ويشير ذلك إلى أن القنوات غير الرسمية تلعب دورًا مهمًا في إبقاء الحوار مستمرًا، حتى في فترات الجمود والمواجهة السياسية.

كما يرى محللون أن هذه القنوات السرية تشكل أداة ضغط متبادلة: فهي تمكّن إيران من إرسال إشارات سياسية دون الإفصاح عن مواقفها العلنية، وتتيح للولايات المتحدة اختبار مرونة النظام الإيراني قبل اتخاذ خطوات أكثر جدية، سواء كانت دبلوماسية أو عسكرية.

تداعيات محتملة على الداخل الإيراني

الاحتجاجات المستمرة في إيران تشكل تحديًا داخليًا حقيقيًا للنظام، خصوصًا مع ضغوط اقتصادية وعقوبات مشددة من الغرب. لذلك، تحرص القيادة الإيرانية على الحفاظ على الحد الأدنى من الحوار مع الولايات المتحدة لتجنب أي مواجهات مباشرة، والتي قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة الداخلية، أو تعميق الشرخ بين مؤسسات الدولة والمواطنين

هل تكسب إيران وقتًا أم تهدئ التوتر؟

يبقى السؤال المحوري: هل يمثل فتح قناة التواصل خطوة حقيقية نحو خفض التصعيد، أم مجرد وسيلة لإعادة ترتيب الأوراق واستباق أي تحرك أمريكي محتمل؟ الأرجح أن إيران تسعى لاستثمار هذه القناة لتحقيق توازن دقيق، يجمع بين إدارة الضغط الأمريكي، وحماية مصالحها الاستراتيجية، والحفاظ على مؤسساتها الداخلية.

أما واشنطن، فهي تواجه معضلة موازية، بين تقديم إشارات تفاوضية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، واستمرار الضغط على طهران لدفعها إلى الالتزام بالشروط الأمريكية. 

ومن هنا تتضح أهمية القنوات الخلفية، التي قد تكون آخر فرصة لتجنب مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط، أو مرحلة مؤقتة لتهدئة الأوضاع إلى حين حسم المفاوضات الرسمية لاحقًا.