مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

زيارة لاسانود تشعل خلافاً بين مقديشو وبونتلاند.. ما علاقة أرض الصومال؟

نشر
الأمصار

تشهد الساحة السياسية في جمهورية الصومال الفيدرالية تصعيداً جديداً، على خلفية الزيارة المرتقبة للرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى مدينة لاسانود، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ عقود، وتحمل في طياتها أبعاداً سياسية وأمنية وإقليمية معقدة، وسط توترات قائمة مع إدارة أرض الصومال من جهة، وتحفظات معلنة من ولاية بونتلاند الصومالية من جهة أخرى.

وتقع مدينة لاسانود في إقليم سول، أحد الأقاليم المتنازع عليها تاريخياً بين بونتلاند وأرض الصومال، التي أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991 دون اعتراف دولي.

وتكتسب المدينة أهمية خاصة، ليس فقط لموقعها الجغرافي، بل لثقلها الاجتماعي والعشائري، ودورها المؤثر في إعادة تشكيل موازين القوى شمال البلاد.


زيارة تاريخية ورسائل متعددة


ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام محلية صومالية، يستعد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود للتوجه إلى لاسانود لحضور مراسم تنصيب عبدالقادر أحمد أو علي (فرديه) رئيساً لولاية شمال شرق الصومال الإقليمية، التي تضم أقاليم سول وسناج وكاين. وكان فرديه قد انتُخب رئيساً للولاية في 30 أغسطس/آب الماضي، بعد مسار سياسي رعته الحكومة الفيدرالية في مقديشو.

ومن المقرر، بحسب المصادر نفسها، أن يُلقي الرئيس الصومالي خطاباً أمام البرلمان الإقليمي في لاسانود، وهي خطوة تُقرأ سياسياً على أنها تأكيد مباشر لسيادة الحكومة الفيدرالية الصومالية على المناطق المتنازع عليها، ورسالة واضحة إلى إدارة أرض الصومال التي لا تزال تعتبر إقليمي سول وسناج جزءاً من أراضيها.

وفي حال إتمام الزيارة، ستكون الأولى لرئيس صومالي إلى المدينة منذ اغتيال الرئيس الصومالي الأسبق عبد الرشيد علي شرماركي خلال زيارة رسمية إلى لاسانود عام 1969، ما يمنح الحدث بعداً تاريخياً لافتاً في الذاكرة السياسية الصومالية.


مشاركة حكومية واسعة


ولا تقتصر الزيارة على الرئيس الصومالي فقط، إذ تشير التقديرات إلى أن رئيس الوزراء الصومالي وعدداً من أعضاء الحكومة الفيدرالية سيشاركون في الرحلة، حيث يُنتظر أن يعقد مجلس الوزراء الفيدرالي الصومالي اجتماعه الأسبوعي داخل المدينة، في سابقة تهدف إلى ترسيخ الحضور المؤسسي للدولة في شمال البلاد.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تحمل دلالات عملية تتجاوز الطابع الرمزي، إذ تعكس توجهاً واضحاً من الحكومة الفيدرالية لتعزيز نفوذها الإداري والسياسي في المناطق التي شهدت صراعات مسلحة خلال السنوات الأخيرة.


توتر مع أرض الصومال


ومن المرجح أن تؤدي الزيارة إلى زيادة حدة التوتر مع حكومة أرض الصومال، التي فقدت سيطرتها على مدينة لاسانود مطلع عام 2023، بعد نحو ثمانية أشهر من اشتباكات دامية أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، ونزوح آلاف المدنيين.

وانتهى الصراع بانسحاب قوات أرض الصومال من المدينة، وصعود إدارات محلية موالية للحكومة الفيدرالية الصومالية، ما فتح الباب أمام تشكيل ولاية شمال شرق الصومال الإقليمية، التي نالت اعترافاً رسمياً من مقديشو ضمن هيكل النظام الفيدرالي.

ويأتي هذا التطور في وقت حساس، عقب إعلان دولة إسرائيل في 26 ديسمبر/كانون الأول الماضي اعترافها بأرض الصومال “دولة مستقلة ذات سيادة”، في خطوة أثارت موجة غضب واسعة في الحكومة الصومالية الفيدرالية، ورفضاً من دول أفريقية وعربية وإسلامية، اعتبرت القرار مساساً بوحدة وسيادة الأراضي الصومالية.

رد سياسي على الاعتراف الإسرائيلي

وتشير تحليلات إعلامية صومالية، من بينها موقع “كاسيمادا أونلاين”، إلى أن الزيارة الرئاسية إلى لاسانود تُعد رداً سياسياً مباشراً من مقديشو على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، ومحاولة لإعادة تثبيت الموقف الدولي الداعم لوحدة الصومال.

وفي هذا السياق، شدد وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي على أن بلاده “لن تسمح مطلقاً بإنشاء أي وجود أو قاعدة عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال”، مؤكداً أن الحكومة الصومالية ستلجأ إلى “جميع السبل القانونية الدولية”، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية، في حال حدوث أي انتهاك يمس السيادة الصومالية.

واعتبرت حكومة أرض الصومال هذه التصريحات “تهديدات خطيرة”، في مؤشر على تصاعد حدة الخطاب السياسي بين الجانبين.

تحفظات بونتلاند وتحذيرات داخلية
في المقابل، لم تُخفِ ولاية بونتلاند الصومالية تحفظها على الزيارة المرتقبة، إذ حذر وزير الإعلام في حكومة بونتلاند محمود عيديد درر من تداعياتها، متهماً الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بـ“إثارة النزاع بين أرض الصومال وسكان إقليم سول”، في توقيت وصفه بـ“الحساس”.

وترى بونتلاند أن لها حقاً تاريخياً وسياسياً في إقليمي سول وسناج، مستندة إلى الانتماءات العشائرية لسكان تلك المناطق، وتعتبر أن إنشاء أي إدارة إقليمية جديدة دون توافق معها يُعد تقليصاً لنفوذها السياسي.

جذور الخلاف وصراع الشرعيات
ويعود الخلاف حول سول وسناج إلى سنوات طويلة من التنافس بين الإدارات المحلية في شمال الصومال. فبينما تستند بونتلاند إلى منطق عشائري واجتماعي، تعتمد الحكومة الفيدرالية الصومالية على رؤية دستورية، تؤكد أن تشكيل الولايات الفيدرالية يتم حصراً عبر المؤسسات الدستورية الرسمية، وليس عبر التوازنات القبلية.

أما أرض الصومال، فترى في أي تحرك حكومي داخل تلك المناطق تهديداً مباشراً لمشروعها الانفصالي، ومحاولة لإضعاف موقفها السياسي داخلياً وخارجياً.

دلالات المرحلة المقبلة

ويجمع مراقبون للشأن الصومالي على أن زيارة لاسانود، إذا ما تمت، ستكون نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقة بين مقديشو وكل من بونتلاند وأرض الصومال، إذ ستؤكد عملياً اعتراف الحكومة الفيدرالية بالإدارة الإقليمية الجديدة، وتعزز من حضور الدولة في مناطق طالما ظلت خارج السيطرة المباشرة لمؤسساتها.

كما تعكس الزيارة، في جانب آخر، رغبة القيادة الصومالية في إعادة رسم الخريطة السياسية شمال البلاد، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، قد تلقي بظلالها على مستقبل وحدة الصومال واستقراره.

وبين رسائل السيادة، والتحذيرات الداخلية، والضغوط الخارجية، تبقى لاسانود عنواناً لصراع معقد، تتقاطع فيه السياسة بالتاريخ، وتختبر من خلاله الحكومة الصومالية قدرتها على فرض رؤيتها للدولة الفيدرالية في واحدة من أكثر مناطق القرن الأفريقي حساسية.