مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

كيف احتوى النهج السعودي الشمولي والمسؤول تطورات جنوب اليمن؟

نشر
الأمصار

عكست التحركات السعودية الأخيرة تجاه التطورات المتسارعة في جنوب اليمن نهجاً قائماً على سياسة الاحتواء، والتهدئة، وإدارة الأزمات بعيداً عن منطق التصعيد، وذلك عقب سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة دون تنسيق مسبق مع الحكومة اليمنية الشرعية أو تحالف دعم الشرعية، في خطوة أثارت قلقاً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل اليمن وخارجه.

 

ويرى محللون أن الموقف السعودي اتسم بالحكمة وضبط النفس، في وقت كانت فيه الساحة اليمنية مرشحة لمزيد من الانقسام والتوتر، وهو ما عزز من صورة المملكة كطرف حاضن وقادر على إدارة التعقيدات اليمنية بحسابات استراتيجية بعيدة المدى.

نهج تاريخي قائم على الحكمة والاحتواء

اعتبر الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، أن استقبال الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، لفرقاء الحراك السياسي اليمني في الرياض، ومن بينهم أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي، يمثل نموذجاً واضحاً لسياسة الاحتواء التي تنتهجها المملكة منذ تأسيسها.

وأوضح بن صقر، في تصريحات صحفية، أن السياسة السعودية قامت تاريخياً على الحوار، وامتصاص الأزمات، وتغليب منطق التوافق، مشيراً إلى أن هذا النهج هو امتداد لإرث الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الذي أرسى قواعد الحكم القائمة على الحكمة، وتجنب الصدامات غير الضرورية.

وأضاف أن لقاء وزير الدفاع السعودي مع أطراف يمنية أعلنت مواقف مخالفة للشرعية في وقت سابق، يعكس استعداد الرياض لفتح صفحة جديدة مع مختلف الفاعلين متى ما عادوا إلى مسار الحوار، واستجابوا للمبادرات السعودية الرامية إلى استقرار اليمن.

التطورات الميدانية في حضرموت والمهرة

وكان المجلس الانتقالي الجنوبي قد أرسل، في الثالث من ديسمبر الماضي، أرتالاً عسكرية إلى المحافظات الشرقية، حيث سيطر على عدد من المؤسسات السيادية، من بينها مقر المنطقة العسكرية الأولى في سيئون والقصر الجمهوري، كما انتشرت قواته في المكلا والمهرة دون مواجهات تُذكر في حينها.

وأثارت هذه التحركات مخاوف من تفجر صراع جديد في مناطق كانت تُعد من الأكثر استقراراً نسبياً، ما دفع السعودية إلى التحرك السريع لاحتواء الموقف ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة واسعة.

تحرك سعودي سريع لخفض التصعيد

 

وعلى الفور، أوفدت الرياض اللواء محمد عبيد القحطاني على رأس وفد عسكري وسياسي إلى المناطق المتوترة، في مهمة هدفت إلى تهدئة الأوضاع وخفض مستوى التصعيد، مع مطالبة واضحة بعودة قوات المجلس الانتقالي إلى مواقعها السابقة في عدن والمحافظات التي قدمت منها.

كما دعت السعودية إلى نشر قوات “درع الوطن” التابعة للحكومة الشرعية في تلك المناطق، بما يضمن الحفاظ على الأمن والاستقرار ومنع الفراغ العسكري.

وفي السابع والعشرين من ديسمبر، وجّه الأمير خالد بن سلمان رسالة مباشرة إلى الشعب اليمني بعنوان “إلى أهلنا في اليمن”، أكد فيها عدالة القضية الجنوبية، محذراً في الوقت نفسه من جر المحافظات الجنوبية الآمنة إلى صراعات داخلية لا تخدم سوى الأطراف المتربصة باليمن والمنطقة.

اليمن في صلب الأمن القومي السعودي

وشدد بن صقر على أن المملكة تنظر إلى اليمن باعتباره جزءاً أساسياً من أمنها القومي، لافتاً إلى أن هذا الاهتمام لا يقتصر على كونه دولة جارة، بل يتجاوز ذلك إلى روابط اجتماعية وتاريخية وثقافية عميقة تجمع الشعبين.

وأوضح أن الوضع اليمني يحمل بعدين لا يمكن للرياض تجاهلهما، أولهما حماية أمنها الوطني من أي تهديدات مباشرة أو غير مباشرة، وثانيهما الحرص على استقرار اليمن ووحدته وازدهاره، بما يخدم مصالح المنطقة بأكملها.

عودة السيطرة الحكومية ورسائل الاستقرار

وخلال الأيام القليلة الماضية، تمكنت قوات “درع الوطن” التابعة للحكومة الشرعية، وبدعم من طيران التحالف، من بسط سيطرتها على محافظتي حضرموت والمهرة، في حين تراجعت قوات المجلس الانتقالي إلى مواقعها السابقة عقب مواجهات محدودة، ما عكس نجاح الجهود السعودية في منع تفجر الوضع ميدانياً.

ويرى مراقبون أن هذا التطور الميداني حمل رسائل سياسية واضحة، مفادها أن الحل في اليمن لا يمكن أن يكون عبر فرض الأمر الواقع بالقوة، بل من خلال التفاهمات السياسية والرعاية الإقليمية المتوازنة.

الحوار الجنوبي ومسار الحل السياسي

من جانبه، أكد المحلل السياسي الدكتور خالد الهباس أن الموقف السعودي من اليمن ظل ثابتاً منذ بداية الأزمة، ويتمثل في دعم أمن واستقرار اليمن بكافة مكوناته، مشيراً إلى أن ما يحدث في اليمن ينعكس بشكل مباشر على الأمن الوطني السعودي.

وأضاف أن التزام الرياض بدعم جميع القوى الوطنية التي تقدم المصلحة العامة على الأجندات الضيقة أو الخارجية، يعكس نهجاً مسؤولاً يهدف إلى بناء تسوية شاملة ومستدامة.

وأشار الهباس إلى أن استضافة الرياض المرتقبة لمؤتمر الحوار الجنوبي، بمشاركة مختلف القوى الجنوبية، بما فيها المجلس الانتقالي، تمثل دليلاً واضحاً على شمولية النهج السعودي، مؤكداً أن تقرير مصير القضية الجنوبية يجب أن يكون بيد اليمنيين أنفسهم، عبر الحوار والمسار السياسي، وليس من خلال الانقلابات العسكرية أو فرض الواقع بالقوة.

خاتمة

في ظل تعقيدات المشهد اليمني، تبدو السياسة السعودية قائمة على إدارة الأزمة لا تعميقها، وعلى البحث عن حلول طويلة الأمد تضمن استقرار اليمن، وتحمي أمن المنطقة، وتغلق الباب أمام التدخلات الخارجية السلبية، في مسعى يعزز دور المملكة كفاعل إقليمي محوري ووسيط موثوق في واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيداً.