مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

لغز اعتقال مادورو.. صفقة داخلية أم اختراق أمريكي؟

نشر
الأمصار

أثار اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إثر تدخل عسكري أمريكي مفاجئ في العاصمة كاراكاس، عاصفة من التساؤلات داخل فنزويلا وخارجها، حول الكيفية التي نُفذت بها العملية، وأسباب غياب الرد العسكري المتوقع من الدفاعات الفنزويلية، وما إذا كانت هذه الخطوة ثمرة “صفقة من الداخل” أكثر من كونها مواجهة عسكرية تقليدية.


العملية الأمريكية، التي وُصفت بأنها الأخطر من نوعها في أمريكا اللاتينية منذ عقود، جاءت بعد أشهر من التكهنات بشأن تحركات واشنطن تجاه النظام الحاكم في فنزويلا، في ظل تصاعد التوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والإدارة الفنزويلية برئاسة مادورو. إلا أن ما زاد من غموض المشهد هو ما كشفته تقارير إعلامية غربية عن وجود اتصالات سرية سبقت التدخل العسكري، شاركت فيها شخصيات بارزة من داخل السلطة الفنزويلية.


صحيفة “ديلي ميل” البريطانية كشفت، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس الفنزويلي، عقدت اجتماعات غير معلنة مع مسؤولين أمريكيين في دولة وسيطة خلال الأشهر السابقة على العملية.

 وبحسب التقرير، قدمت رودريغيز نفسها خلال تلك اللقاءات باعتبارها “بديلًا أكثر قبولًا” للولايات المتحدة مقارنة بمادورو، الذي يبلغ من العمر 63 عامًا، واقترحت تصورًا سياسيًا أطلقت عليه “المادوروية من دون مادورو”، في إشارة إلى الإبقاء على بنية النظام مع تغيير رأسه.


هذه المعلومات عززت الشكوك حول أن ما جرى في كاراكاس لم يكن مجرد تدخل عسكري تقليدي، بل عملية معقدة جرى الإعداد لها من الداخل والخارج على حد سواء. فمع بدء العملية فجر السبت، تسللت مروحيات أمريكية على ارتفاع منخفض للغاية، لم يتجاوز 100 قدم فوق سطح البحر، في مشهد أثار دهشة مراقبين عسكريين، خاصة مع محدودية رد الفعل من الدفاعات الفنزويلية بعد تحييد أنظمة الصواريخ.


وفي هذا السياق، قال فرانسيسكو سانتوس كالديرون، نائب الرئيس الكولومبي السابق، إن ما حدث لا يمكن وصفه بإسقاط نظام بالقوة، بل “تسليم” من داخل السلطة نفسها. وأكد سانتوس، في تصريحات لقناة NTN24 الكولومبية، أنه “متأكد تمامًا” من أن الرجل الثاني في نظام مادورو خانه، مضيفًا: “لم يُطَح به، بل سُلِّم للأمريكيين دون قتال”.


مصادر مطلعة أشارت إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) شكّلت فريقًا صغيرًا داخل فنزويلا منذ أغسطس/آب الماضي، تمكن من جمع معلومات دقيقة عن نمط حياة الرئيس الفنزويلي. وبحسب هذه المصادر، راقب الفريق تحركات مادورو اليومية، وحدد أماكن إقامته وتنقلاته، بل وحتى تفاصيل تتعلق بعاداته الشخصية، ما سهّل تنفيذ عملية الاعتقال بأقل خسائر ممكنة.


وعقب اقتحام المجمع الرئاسي في كاراكاس، حافظت ديلسي رودريغيز، المسؤولة الفنزويلية، في البداية على لهجة تصعيدية مشابهة لبقية أعضاء الحكومة. ففي خطاب متلفز، أدانت ما وصفته بـ”العدوان العسكري غير المسبوق” من جانب البيت الأبيض، وطالبت بالإفراج الفوري عن الرئيس الفنزويلي وزوجته سيليا فلوريس، مؤكدة أن فنزويلا “لن تكون مستعمرة لأي دولة”.


غير أن هذا الموقف لم يدم طويلًا.

 فبعد أقل من 24 ساعة، أعلنت رودريغيز، التي عُيّنت رئيسة مؤقتة لفنزويلا بقرار من المحكمة العليا الفنزويلية، استعدادها للتعاون مع الإدارة الأمريكية، معربة عن أملها في بناء “علاقات قائمة على الاحترام المتبادل” مع واشنطن. وفي رسالة نشرتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دعت حكومة الولايات المتحدة إلى التعاون ضمن “أجندة مشتركة تقوم على التنمية المتبادلة في إطار القانون الدولي”.


هذا التحول السريع في المواقف دفع خصوم النظام السابق إلى اتهام رودريغيز صراحة بالخيانة. حيث قال فرانسيسكو سانتوس إن “كل المعطيات، عند جمعها، تشير إلى أن العملية كانت تسليمًا منظمًا”، مضيفًا أن واشنطن تسعى الآن إلى إدارة مرحلة انتقالية عبر شخصية من داخل النظام، مع التركيز على قطاع النفط الفنزويلي الحيوي.


وتُعد ديلسي رودريغيز، التي تشغل منصب نائبة الرئيس منذ عام 2018، واحدة من أبرز الشخصيات النافذة في فنزويلا، إذ أشرفت على ملفات اقتصادية حساسة، أبرزها قطاع النفط، إضافة إلى علاقتها الوثيقة بجهاز الاستخبارات الفنزويلي. 

ورغم أنها كانت خاضعة لعقوبات أمريكية خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن الأخير أشاد بها بعد توليها الرئاسة المؤقتة، قائلًا إنها “مستعدة لفعل ما يلزم لجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى”.


العملية العسكرية، التي أطلق عليها اسم “الحسم المطلق”، لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة تخطيط طويل شمل تدريبات ومحاكاة دقيقة. ووفق مصادر أمريكية، أشرف البنتاغون على حشد عسكري واسع في البحر الكاريبي، ضم حاملة طائرات و11 سفينة حربية وأكثر من 12 مقاتلة من طراز F-35، إضافة إلى أكثر من 15 ألف جندي.
وشارك في التخطيط للعملية فريق ضم شخصيات بارزة في الإدارة الأمريكية، من بينهم ستيفن ميلر، وماركو روبيو، وبيت هيغسيث، إلى جانب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف، حيث عقدوا اجتماعات شبه يومية، بعضها بحضور الرئيس الأمريكي نفسه.


وفي فجر السبت، وبعد ضربات جوية استهدفت أنظمة الدفاع الجوي الفنزويلية، اقتحمت قوات النخبة الأمريكية، بما فيها وحدة “دلتا فورس”، العاصمة كاراكاس. ورغم تعرض إحدى المروحيات لإطلاق نار وإصابتها، فإن العملية استمرت، وتم اقتحام مقر إقامة مادورو خلال ثوانٍ، قبل أن يُسلّم الرئيس الفنزويلي وزوجته نفسيهما.


الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن، عبر منصته “تروث سوشيال”، نجاح “مهمة جريئة” أسفرت عن اعتقال مادورو، مؤكدًا إصابة عدد من الجنود الأمريكيين دون تسجيل قتلى.

 وفي المقابل، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن العملية أدت إلى مقتل نحو 80 شخصًا، مع توقع ارتفاع العدد.


ومن المقرر أن يمثل الرئيس الفنزويلي السابق أمام محكمة فدرالية في مانهاتن، لمواجهة اتهامات تتعلق بالإرهاب والاتجار بالمخدرات، في خطوة من شأنها أن تعمّق الجدل حول مستقبل فنزويلا، وتفتح صفحة جديدة في تاريخ التدخلات الأمريكية بأمريكا اللاتينية، وسط تساؤلات لا تزال بلا إجابة: هل كان سقوط مادورو نتيجة قوة عسكرية ساحقة، أم ثمرة صفقة نُسجت خيوطها من داخل أروقة السلطة نفسها؟