بين العبقرية والاندفاع
ترامب يعيد تقييم إيلون ماسك وتحالف السياسة مع وادي السيليكون
في مشهد يعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين عالم السياسة ورجال الأعمال في الولايات المتحدة، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليثير الجدل مجددًا بتقييمه لرجل الأعمال المثير للجدل إيلون ماسك، واصفًا إياه بأنه «مزيج من العبقرية الخارقة بنسبة 80%، و20% من الأخطاء». تقييم لا يبدو عابرًا، بل يحمل في طياته دلالات سياسية واقتصادية عميقة، خاصة في ظل مرحلة دقيقة تستعد فيها واشنطن لانتخابات تجديد نصفي قد تعيد رسم موازين القوى داخل الكونجرس.
ترامب يعيد تقييم ماسك
ولم يكن هذا التوصيف جديدًا على لسان ترامب، إذ سبق أن استخدم تعبيرًا مشابهًا في سبتمبر الماضي عندما قال إن ماسك «80% ذكاء و20% مشاكل»، في إشارة إلى شخصية رجل الأعمال غير التقليدية، وقدرته على الجمع بين الابتكار الحاد والقرارات المثيرة للجدل. ويأتي هذا التقييم بعد تجربة سياسية قصيرة لماسك، حين انضم لفريق إدارة ترامب خلال ولايته الرئاسية الثانية، قبل أن يغادره لاحقًا على خلفية خلافات اقتصادية وتشريعية.
حزب سياسي لم يولد
في مطلع يوليو الماضي، فاجأ ماسك الأوساط السياسية بإعلانه نيته تأسيس حزب سياسي جديد أطلق عليه اسم «أمريكا»، في خطوة فُسرت حينها باعتبارها محاولة لكسر الثنائية الحزبية التقليدية. غير أن هذه الفكرة لم تكتمل، إذ سرعان ما تراجع عنها تحت وطأة ضغوط سياسية وتحذيرات داخل المعسكر الجمهوري.
وبحسب تقارير صحيفة «واشنطن بوست»، جاء هذا التراجع بعد تدخل مباشر من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، إلى جانب ضغوط من مقربين من ماسك، أعربوا عن خشيتهم من أن يؤدي الحزب الجديد إلى تفتيت أصوات الجمهوريين، ليس فقط في انتخابات التجديد النصفي عام 2026، بل في الانتخابات الرئاسية والاستحقاقات التشريعية اللاحقة.
كما أكدت صحيفة «وول ستريت جورنال» في أواخر أغسطس، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن ماسك قرر تجميد مشروع الحزب السياسي إلى أجل غير مسمى، مفضلًا العمل من داخل المنظومة السياسية القائمة بدلًا من الصدام معها.
تحسن ملحوظ في العلاقة
في تطور لافت، كشف إيلون ماسك عن تحسن واضح في علاقته مع الرئيس ترامب، بعدما نشر صورة تجمعه بالرئيس الأمريكي والسيدة الأولى ميلانيا ترامب خلال مأدبة عشاء في منتجع «مارا لاجو» بولاية فلوريدا. وعلّق ماسك على الصورة قائلًا: «قضيت عشاءً رائعًا مساء أمس مع الرئيس والسيدة الأولى… عام 2026 سيكون عامًا مذهلًا».
وحضر العشاء عدد من كبار المستشارين السياسيين وشخصيات بارزة من وادي السيليكون، وهو ما اعتبره محللون رسالة سياسية واضحة، وتدشينًا لتحالف جديد بين عالم السياسة والتكنولوجيا. تحالف قد يمنح ترامب دعمًا اقتصاديًا وتقنيًا مؤثرًا، مقابل توفير بيئة تشريعية أقل صدامًا مع طموحات ماسك في مجالات الفضاء والطاقة والذكاء الاصطناعي.
مادورو نقطة التحول
ويأتي هذا التقارب بعد أيام من العملية العسكرية الأمريكية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث كان ماسك من أوائل المهنئين لترامب، واصفًا العملية بأنها «انتصار للعالم». وهو موقف رأى فيه مراقبون إشارة قوية على عودة الانسجام السياسي بين الطرفين، ومقدمة لما وصفه البعض بـ«المصالحة النهائية».
خلفية التوتر والخلاف
وكانت العلاقة بين ترامب وماسك قد وصلت إلى ذروتها من التوتر منتصف عام 2025، عقب انسحاب ماسك من فريق «إدارة كفاءة الحكومة»، اعتراضًا على قانون ألغى إعانات ضريبية مخصصة للسيارات الكهربائية، وهو ما اعتبره ماسك تهديدًا مباشرًا لصناعة المستقبل، ومحفزًا لتفاقم العجز الفيدرالي.
وتصاعد الخلاف حينها إلى تبادل اتهامات علنية وتهديدات بإلغاء عقود حكومية مع شركات ماسك، وصولًا إلى تهديده بتأسيس حزب سياسي ثالث، قبل أن تتراجع حدّة الأزمة تدريجيًا.
عودة الدعم المالي
ووفقًا لتقارير حديثة نشرتها منصتا «أكسيوس» و«فوكس بيزنس»، بدأ ماسك خلال الفترة الأخيرة ضخ تبرعات مالية كبيرة لدعم مرشحي الحزب الجمهوري في انتخابات الكونجرس النصفية المقررة في نوفمبر المقبل، في مؤشر واضح على استعادة التنسيق السياسي، وعودة العلاقة إلى مسار براغماتي يخدم مصالح الطرفين.
في المحصلة، يبدو أن العلاقة بين ترامب وماسك لا تُدار بمنطق الصداقة أو الخصومة الدائمة، بل وفق معادلة المصالح المتبادلة، حيث تختلط العبقرية بالمخاطرة، والسياسة بالاقتصاد، في مشهد يعكس روح المرحلة الأمريكية الراهنة.