هل تشكِّل أفريقيا «بنك أهداف استراتيجية» للولايات المتحدة؟
أثارت الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد مواقع تابعة لتنظيم «داعش» في شمال غربي نيجيريا، يوم عيد الميلاد، جدلاً واسعاً داخل البلاد وخارجها، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت العملية تمثل تحولاً في استراتيجية واشنطن تجاه غرب أفريقيا، وتحويل القارة إلى ما يشبه «بنك أهداف إرهابية» محتمل.
وأعلنت القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» تنفيذ الغارات في ولاية سوكوتو بالتنسيق مع الحكومة النيجيرية، مؤكدة أنها استهدفت عناصر إرهابية وشكلت ضربة مؤثرة للتنظيم.
مواقف رسمية متباينة بين واشنطن وأبوجا
في تعليق على العملية، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن تنظيم «داعش» يستهدف المسيحيين في نيجيريا بمستويات غير مسبوقة منذ سنوات، وهو تصريح أعاد إلى الواجهة الجدل حول البعد الديني للصراع. في المقابل، شدد وزير الخارجية النيجيري يوسف توغار على أن الضربات لا علاقة لها بأي دين، مؤكداً أنها نتيجة تخطيط طويل الأمد، ومشيراً إلى احتمال تنفيذ عمليات إضافية بالتعاون مع الولايات المتحدة.
إعادة ضبط محتملة للانخراط الأميركي
يرى محللون أن الضربة الأخيرة قد توحي بإعادة ضبط أوسع للدور الأميركي في البيئة الأمنية لغرب أفريقيا. واعتبر المحلل النيجيري ماكسويل نغيني أن العملية تجمع بين البعدين التكتيكي والاستراتيجي، إذ تعالج تهديدات ناشئة، وفي الوقت ذاته تشير إلى تحول محتمل في مقاربة واشنطن لمكافحة الإرهاب في القارة.
وأوضح أن اختيار شمال غربي نيجيريا يحمل دلالة خاصة، باعتباره منطقة تداخل لتهديدات أمنية متعددة، ما يعكس اعترافاً أميركياً بأن خطر الجماعات المسلحة لا يقتصر على «بوكو حرام» في الشمال الشرقي، مع بقاء تساؤلات حول مدى استدامة هذا الانخراط.
غياب إعلان رسمي عن استراتيجية جديدة
في المقابل، أشار ألكسندر بالمر، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى عدم وجود بيانات أميركية رسمية تؤكد اعتماد استراتيجية جديدة لغرب أفريقيا. ولفت إلى أن ترمب كان يناقش منذ فترة خيارات التدخل العسكري في نيجيريا، مرجحاً أن تكون الضربة الأخيرة نتيجة لتلك النقاشات، مع احتمال تطورها لاحقاً إلى مقاربة أوسع.
مخاوف داخلية من تداعيات الضربة
داخل نيجيريا، أثارت الغارات مخاوف وتساؤلات بين المواطنين بشأن نتائجها الفعلية. وقال الصحافي والمحامي مالاكي أوزيندو إن السكان يعيشون حالة من القلق والترقب، في ظل غياب معلومات واضحة حول حجم الخسائر أو طبيعة التعاون المستقبلي بين البلدين.
ورغم تأكيد واشنطن وأبوجا تكبيد «داعش» خسائر كبيرة، لم تُعلن حصيلة نهائية للضحايا، في وقت شهدت فيه ولايات أخرى، مثل يوبي شمال شرقي البلاد، هجمات منسقة جديدة، ما أثار الشكوك حول فعالية الضربات الجوية وحدها.
خطر تعميق الاستقطاب الديني
حذر مستشار الشأن النيجيري في مجموعة الأزمات الدولية، نامدي أوباسي، من أن الغارات الجوية، رغم قدرتها على إضعاف بعض الجماعات، لا تكفي للقضاء على الإرهاب. وأشار إلى أن تأطير العملية باعتبارها حماية للمسيحيين قد يؤدي إلى تعميق الاستقطاب الديني ودفع مزيد من الشباب نحو التطرف.
واتفق أوزيندو مع هذا التقييم، معتبراً أن الضربة قد تؤدي إلى تشتيت الجماعات المسلحة وانتشارها في مناطق جديدة، بدلاً من إنهاء threat.
صراع الموارد وتنافس القوى الكبرى
تزامن التدخل الأميركي مع تصاعد شكوك محلية بشأن ارتباطه بالمنافسة على الموارد الطبيعية، إذ تعد نيجيريا من أكبر منتجي النفط في أفريقيا، ومن الدول البارزة عالمياً في مجال المعادن النادرة. ويرى مراقبون أن أي تحول عسكري أميركي نحو السيطرة على الموارد قد يزيد من حدة التنافس الجيوسياسي، خصوصاً مع الصين التي رفعت علاقاتها مع نيجيريا إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة.
وأشار محللون إلى اختلاف النهج الصيني عن الأميركي، حيث تركز بكين على التعاون التقني واحترام السيادة، في مقابل اعتماد واشنطن على التدخل العسكري المباشر.
مستقبل غامض للانخراط الأميركي
في ظل توسع النفوذ الروسي والصيني في غرب أفريقيا، يرى خبراء أن الضربة الأميركية يجب فهمها ضمن سياق التنافس الدولي المتزايد على القارة. وبينما قد تمثل بداية مرحلة جديدة من الانخراط الأمني الأميركي، فإن فعاليتها ستظل مرهونة بقدرتها على معالجة جذور العنف، وليس الاكتفاء بالحلول العسكرية قصيرة الأمد.
وتبقى الأسابيع المقبلة كفيلة بكشف ما إذا كانت «ضربة عيد الميلاد» خطوة معزولة، أم مؤشراً على تحول أعمق في سياسات واشنطن تجاه أفريقيا.