نهر ميكونج العظيم.. المعادن النادرة تغتال شريان الحياة في آسيا
تشهد منطقة جنوب شرق آسيا أزمة بيئية متفاقمة مرتبطة بالطلب العالمي المتصاعد على المعادن النادرة، والتي تُعد عنصرًا أساسيًا في الصناعات الحديثة، من السيارات الكهربائية إلى الإلكترونيات المتقدمة.
ووفق ما كشفته شبكة "سي. إن. إن" الأميركية، فإن السعي المحموم وراء هذه المعادن أدى إلى تلوث سام في بعض أهم الأنهار الآسيوية، وعلى رأسها نهر ميكونج، ما يهدد صحة عشرات الملايين ممن يعتمدون على هذا النهر في حياتهم اليومية. وتكشف دراسة حديثة لمركز ستيمسون للأبحاث عن حجم الخطر المتنامي وتداعيات التعدين غير المنضبط على البيئة والسكان المحليين.
أهمية المعادن النادرة وتصاعد المنافسة العالمية
تشكل المعادن النادرة محورًا للتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين. وتتمتع الصين بسيطرة شبه كاملة على السوق العالمية، بوصفها المنتج الأول عالميًا، وهو ما جعل تأمين مصادر بديلة هدفًا إستراتيجيًا للدول الصناعية. وقد أدى هذا التنافس إلى ازدهار عمليات التعدين في دول جنوب شرق آسيا، بعضها قانوني ومنظم، لكن الجزء الأكبر غير خاضع للرقابة. وتسبب هذه العمليات تدميرًا بيئيًا واسع النطاق، خاصة في المناطق التي تعاني أصلًا من ضعف الحوكمة وانتشار النزاعات المسلحة مثل ميانمار.
نهر ميكونج: الشريان الحيوي المهدد
يعد نهر ميكونج أحد أهم الأنهار في آسيا والعالم، إذ يمتد عبر ست دول ويمثل مصدر حياة لحوالي 70 مليون إنسان. ويغذي النهر نشاطات زراعية وصيدًا وملاحة تجارية يعتمد عليها السكان المحليون في الغذاء والدخل. كما يشكل مصدرًا رئيسيًا للمنتجات الزراعية والسمكية التي تُصدّر إلى دول عدة، بما في ذلك الولايات المتحدة. ويعرف النهر عالميًا بكونه نظامًا بيئيًا متوازنًا وخصبًا، إلا أن التلوث الناتج عن أنشطة التعدين العشوائية بدأ يهدد هذا التوازن ويزيد من مخاطر انهيار النظام البيئي.
التعدين غير المنظم ومخاطره البيئية
كشفت دراسة مركز ستيمسون عن وجود أكثر من 2400 موقع تعدين واسع النطاق في جنوب شرق آسيا، معظمها غير قانوني وغير خاضع لأي رقابة حكومية. ويتركز نحو 80% من هذه الأنشطة في ميانمار، حيث تنتشر المناجم في مناطق متنازع عليها أو خارجة عن سيطرة الدولة. وتتنوع تقنيات التعدين المستخدمة ما بين التعدين الرسوبي، والترشيح في الموقع، والترشيح بالركام، وكلها تعتمد على مواد كيميائية خطيرة مثل الزئبق وسيانيد الصوديوم والزرنيخ.
تسرب هذه المواد إلى الأنهار والمجاري المائية يؤدي إلى تلوث مباشر قد تكون له عواقب مدمرة. فالسيانيد يمكن أن يسبب الوفاة بسرعة عبر التأثير على الجهاز العصبي والقلب، بينما يتراكم الزئبق في السلسلة الغذائية، ليصل إلى النباتات والحيوانات والمنتجات الزراعية وعلى رأسها الأرز. كما تؤدي المعادن الثقيلة الأخرى إلى تدهور صحة الإنسان والحياة البرية، وترفع مستويات المخاطر على المدى الطويل.
انعكاسات التلوث على المجتمعات المحلية
أثرت هذه الملوثات بالفعل على المجتمعات التي تعيش على ضفاف نهر ميكونج وروافده. ففي تايلاند، على سبيل المثال، أثارت اكتشافات وجود الزرنيخ في نهر كوك القلق بين السكان المحليين، الذين باتوا مترددين في استهلاك الأسماك أو المنتجات الزراعية التي تعتمد على مياه النهر. ووفق شهادات نقلها الباحث ريجان كوان، توقفت العديد من العائلات عن الصيد والزراعة إلى حين التأكد من سلامة المنتجات، ما تسبب في خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة.
ويعتمد معظم سكان المنطقة على الزراعة والصيد كمصادر للكفاف، ما يجعل التلوث ضربة مباشرة لمعيشتهم اليومية. وقد دفع ذلك بعض المجتمعات إلى تقليل الاعتماد على المياه المحلية أو تغيير أنماط معيشتها، رغم محدودية الخيارات المتاحة في مناطق فقيرة تفتقر للبنية التحتية البديلة.
نتائج الدراسة العلمية والتحذيرات المستقبلية
أظهرت نتائج تحليل صور الأقمار الصناعية أن أنشطة التعدين تنتشر على امتداد 43 نهرًا في ميانمار ولاوس وكمبوديا، ما يعني أن التلوث لا يقتصر على ميكونج نفسه، بل يمتد ليغذي منظومات نهرية فرعية تتلاقى في النهاية ضمن هذا النهر العظيم. ويحذر الباحثون من أن تراكم الملوثات في الأنظمة المائية قد يؤدي إلى انهيار غير قابل للعكس للنظام البيئي، ما ستكون له آثار كارثية على الأمن الغذائي والصحة العامة لملايين البشر.
ويشير الخبراء إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يجعل نهر ميكونج مثالًا عالميًا على مخاطر التعدين غير المنضبط، خصوصًا في ظل ضعف الرقابة البيئية والحكومية في بعض الدول. ويؤكد بريان إيلر، أحد المشاركين في إعداد التقرير، أن حجم المنطقة المتضررة وعدد السكان المعتمدين على النهر يجعل الأزمة تهديدًا واسع النطاق قد يمتد تأثيره إلى خارج حدود جنوب شرق آسيا.
تصاعد الطلب العالمي على المعادن النادرة يضع العالم أمام معضلة صعبة: الحاجة إلى معادن أساسية لصناعات المستقبل مقابل كلفة بيئية وإنسانية باهظة تتحملها مناطق هشة مثل ميانمار وجنوب شرق آسيا. وتكشف أزمة ميكونج عن ضرورة تبني آليات رقابة دولية أشد صرامة، وفرض معايير بيئية ملزمة في قطاع التعدين، لتجنب كارثة قد تهدد النظام البيئي لأحد أهم أنهار آسيا وتؤثر على عشرات الملايين من البشر.