مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ممدوح المهيني يكتب: «حرق المصاحف»

نشر
ممدوح المهيني
ممدوح المهيني

في السنوات الأخيرة، شهدنا العديد من الشخصيات المتطرفة في الغرب التي تقوم بحرق نسخ من المصحف الكريم. آخرها كانت المرشحة فالنتينا غوميز التي نشرت فيديوهات على حساباتها، وأثارت ردوداً واسعة.

السؤال: لماذا زاد هذا العدد؟ وهل الموضوع يتعلق فقط بالكراهية الدينية للإسلام؟

في الواقع، للأمر أهداف أعمق من الصورة التي نراها على السطح. الهدف الأول أن هذه الشخصيات تبحث عن الشعبية والشهرة من خلال هذه التصرفات الاستفزازية. فالشهرة تقود إلى الثروة عبر المقابلات التلفزيونية والكتب والدعم المالي من المؤيدين. إنها طريقة سهلة وآمنة للوصول إلى الجماهير وتحقيق المكاسب المادية.

الهدف الثاني أنها تخاطب جمهوراً داخلياً متعصباً ومنغلقاً محدود العدد، يرى في الدين الإسلامي تهديداً لقيمه وطريقة حياته. ومن خلال ذلك تتشكل قاعدة انتخابية تُستَخدم للوصول إلى منصب سياسي، كما هو حال المرشحة الجمهورية غوميز (رغم أن احتمال فوزها ضعيف).

أما الهدف الثالث، وهو الأهم، فهو إثارة رد فعل من المسلمين وإظهارهم بصورة الجموع الغاضبة السهلة الاستفزاز. ردود الفعل الانفعالية هي بالضبط ما تبحث عنه هذه الشخصيات لإثبات وجهة نظرها.

من حق المسلمين، أو أتباع أي دين آخر، أن يغضبوا إذا ما تمّت الإساءة إلى كتابهم المقدس أو رموزهم الدينية. ولكن الخطأ أن يتحولوا إلى أداة في يد هؤلاء المتطرفين الباحثين عن الشهرة، فيحركونهم حيثما أرادوا. في النهاية، لا يمكن لشخصيات مأزومة ومضطربة أن تؤثر على أديان كبرى استمرت لقرون ويتبعها ملايين البشر حول العالم. ولهذا فإن أفضل طريقة للتعامل مع هذه الأفعال هي تجاهلها؛ لأن ذلك يُفشل أهداف أصحابها، ويؤدي إلى تراجع الظاهرة من تلقاء نفسها.

هذه الشخصيات تسعى للشهرة وتأجيج الكراهية، وتحاول تصوير المسلمين في أميركا وأوروبا على أنهم جماعات غير مندمجة أو غير مخلصة لمجتمعاتها، وهو أمر مضرٌّ بالمسلمين قبل غيرهم. إنهم ينصبون الفخ نفسه مرة بعد أخرى، وفي كل مرة ينجحون في استدراج ردود فعل تخدم غاياتهم. وحان الوقت لمعرفة كيفية التعامل مع هذه الظاهرة، وإلا فسنشهد مزيداً من الموتورين الراغبين في إشعال الصراعات بين الشعوب والحكومات.

أكثر من يفرح بهذه الظاهرة هم المتطرفون من كل الأديان؛ إذ تحقق لهم نوعاً من التخادم المتبادل. فحارقو نسخ المصحف يسعون إلى استفزاز المسلمين وإظهارهم بصورة كائنات غرائزية مندفعة، كما يهدفون إلى تأجيج الكراهية الدينية. وفي المقابل، يستخدم المتطرفون الإسلامويون هذه الحوادث لتصوير المسلمين مضطهدين من قِبَل القوى «الصليبية». وفي الحالتين، يتم التلاعب بالحقيقة. ملايين المسلمين يعيشون في أوروبا وأميركا، ويمارسون دياناتهم بحرية من دون أن يتعرض لهم أحد (هناك أكثر من 2000 مسجد في بريطانيا وحدها و2600 مسجد في فرنسا). كما أن كثيراً منهم مندمجون ومنسجمون مع مجتمعاتهم التي وُلدوا فيها أو حملوا جنسياتها. لكن اختيار حالات فردية وتضخيمها يهدفان إلى إثارة المشاعر وزرع الكراهية في النفوس، وشحن الأجواء بمشاعر الغضب الديني حتى تنفجر في صورة نزاعات دينية أو مذهبية.

وفي الهند، نرى الظاهرة ذاتها، حيث يُسلَّط الضوء على حالات معينة يتعرض فيها المسلمون للاضطهاد، بينما يعيش ما يقارب 200 مليون مسلم في سلام وتسامح نسبي. وهناك وسائل إعلام تستثمر في هذه الحوادث وتعيد تدويرها لأنها تحقق أهدافها في التحريض الديني والتعبئة الشعبية، فضلاً عن جلب المزيد من المشاهدات. ولا تقتصر هذه الظاهرة على الأديان الكبرى، بل تمتد إلى المذاهب، حيث نشهد حرباً طائفية رقمية بين السنة والشيعة، يسيء فيها كل طرف إلى الآخر للأهداف نفسها: تأجيج الكراهية وتغذية الانقسام.

نعيش اليوم في عالم يحصد ثماره من قيم التسامح والتعايش الديني. والمدن الأكثر ازدهاراً حول العالم هي تلك التي تحتضن خليطاً متنوعاً من البشر من مختلف الأديان والجنسيات.

حرق المصحف ليس سوى أداة رخيصة للشهرة واستثارة مشاعر الكراهية. الرد الأمثل عليه هو الوعي والتجاهل. فالتسامح والتعايش هما السلاح الأقوى في مواجهة دعاة الكراهية، والمتطرفون لن يجدوا ما يغذيهم إذا ما توقفنا عن الانجرار إلى الأفخاخ التي ينصبونها لنا.

نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط